يجمع  محللون سياسيون واقتصاديون على أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) قد ضل طريق المصالحة الوطنية وقرب المسافة أكثر نحو القطيعة الكاملة بين شقي الوطن (قطاع غزة- الضفة الغربية)، ذلك تعقيباً على خطابه الأخير خلال اجتماعه مع بعض فعاليات القدس الذي توعد فيه قطاع غزة بالمزيد من الإجراءات العقابية، والتي تنذر بتدهور الحالة الاقتصادية بشكل كامل.

وما لم تلتزم حركة حماس باستحقاقات المصالحة الفلسطينية والتراجع عن خطواتها أحادية الجانب في إدارة القطاع، فإن أبو مازن توعد بفرض المزيد من العقوبات التي بدأت باستقطاع ثلثي الرواتب ثم قطع رواتب عدد كبير من الموظفين وفرض التقاعد الإجباري، إضافة إلى تقليص كميات الكهرباء الواردة إلى القطاع، وغيرها من المضايقات. 

ورغم خطورة هذا الأمر، إلا أن الموقف يضع حماس أمام عدة خيارات، وفقا للمعطيات على الأرض، فإما أن تبادر الحركة إلى قطع الطريق على "عباس" وتقوم بحل اللجنة الإدارية، أو تواصل استدارتها نحو القاهرة لاستكمال التفاهمات الثلاثية (حماس، دحلان، القاهرة) المتعلقة بتخفيف الحصار عن غزة، بمقابل تحقيق موطئ قدم لمحمد دحلان في الأراضي الفلسطينية. 

ويقول المحلل السياسي عدنان أبو عامر إن الرئيس عباس قرر وضع قواعد أساسية لترسيخ سياسة الفصل السائدة جغرافيا وسياسيا، إذ يتعامل مع قطاع غزة كمنطقة خارجة عن السيادة الفلسطينية ويحاول أن يعاقب سكانها اقتصاديا وماليا ومعيشيا بسبب خلافاته السياسية مع حركة حماس. 

وأضاف أبو عامر: "هذه السياسات العقابية غير مستوعبة ولا منطقية في ادارة العلاقات السياسية"، مشددا على أنها لن تنجح سوى في زيادة حجم التوتر الداخلي وتوسيع هوة الخلاف بين الطرفين، خاصة وأن من يدفع ثمنها المباشر هم المواطنون دون أن يكون لها ذاك الملموس على حركة حماس المستهدف الأول من هذه الاجراءات.

الكوارث الاقتصادية التي ترتبت على قرارات عباس الاخير والتي اعلن عزمه على المضي فيها، شلت كافة القطاعات والمحاور الاقتصادية في غزة، المتهالكة أصلا بفعل الحصار المفروض عليها منذ قرابة 10 سنوات، حسبما يؤكد المحلل الاقتصادي معين رجب.

ونوه رجب إلى أن الواقع الاقتصادي في قطاع غزة بالغ الصعوبة بفعل الحصار والاجراءات العقابية، وسيزداد تعقيدا على تعقيده مع إقرار المزيد من العقوبات، داعيا إلى تدارك الموقف وإعادة النظر بعقلانية في هذه الخطوات قبل ان تلسع نيرانها الكل الفلسطيني دون استثناء.

بدوره قدم المحلل الاقتصادي محمد أبو جياب قراءة تفصيلية للواقع الاقتصادي المتهالك في القطاع نتيجة الخطوات العقبية، والتي طالت القطاعات التجارية والصناعية والسياحية والانشائية أيضا.

وقال أبو جياب: "إن هناك حالة من الركود التجاري باتت واضحة للعيان في طبيعة الحركة اليومية الشبه معدومة داخل الاسواق المحلية، ما أدى إلى تراجع كبير بنسبة البضاعة المستوردة من الخارج، خاصة بعد الخصومات التي طالت رواتب الموظفين الحكوميين في القطاع.

وأوضح أن هذه الأموال التي تم اقتطاعها من الرواتب كانت تمثل العصب الأساسي الذي ينعش الحركة التجارية ويديرها فعليا داخل الأسواق، الامر الذي أدي لإفلاس كبرى الشركات التجارية، ودخول تجار للسجون  بسبب الشيكات المرجعة وعدم قدرتهم على تسديد المستحقات المالية بوقتها.

في حين انعكست هذه العقوبات المالية سلبا على القطاع الصناعي والمدمر أصلا  بفعل الحروب الاسرائيلية المتتالية على القطاع، إذ قضت على أي فرصة  النهوض من جديد وأضعف من إمكانية تحسين قدراتها الانتاجية، بينما أتى تقليص قدرة القطاع الكهربائي على ما تبقى من إمكانيات لهذه القطاع، وفقا لأبو جياب.

ناهيك عن الواقع المتهدور الذي يمر به قطاع الخدامات والسياحة، إذ اغلق عدد من المطاعم والمؤسسات السياحية أبوابهم معلنين إفلاسهم.

وعن  القطاعات الانسانية والاجتماعية، قال أبو جياب إنها تعيش واقعا متدهورا تعكسه البيانات التي ترصد نسبة البطالة المنتشرة، والتي تشير إلى أن 50 % من الشعب الفلسطيني في القطاع عاطلون عن العمل، بينما بات قطاع الصناعات الانشائية يعمل بقدرات متدنية جدا، ويقوم بتوفير بضعة آلاف من فرص العمل، بعد أن كان يوفر فرص لما يزيد عن 70 ألف عامل. 

وعلى صعيد القطاع الصحي فقد حذر الناطق باسم وزارة الصحة في قطاع غزة، أشرف القدرة، من الانعكاسات  الخطيرة للإجراءات التي تقوم بها الحكومة الفلسطينية، خاصة التقاعد المبكر للموظفين العموميين بغزة، على قطاع الصحة.
وقال القدرة إن قطاع الصحة مهدد بخسارة قرابة 3900 كادر طبي إثر قانون التقاعد المبكر، ووهو ما سيترك أثار كارثية على قطاع الصحة بالكامل، وأيضًا على صحة المرضى في القطاع.