بعد التوقيع على أول بروتوكول من بنود المصالحة، قد يكون السؤال عن مصير السلاح المقاوم، هو آخر ما سيخطر على بال المواطنين في قطاع غزة، فبنظرة عامة وسريعة على ردود فعل الشارع الغزي، تُلاحظ الهموم المعيشية أعلى سلم الاهتمامات، ويرجع هذا بشكلٍ رئيسي لسياساتٍ رسمية وفصائلية، أفقدت الفلسطيني ثقته بقياداته واطمئنانه لها، وليس لنضوب قدرته على الاحتمال والتضحية، فالكثير من شعوب الأرض عانت جراء الاحتلال والعدوان، ولم تفقد حيويتها ولم تفقد رغبتها في البذل والتضحية، لأنها لم تفقد ثقتها في قيادةٍ تسخر تلك التضحيات في طريق التحرير القويم، بينما الشعب الفلسطيني وعلى مدى عقودٍ طويلة، يرى تضحياته تنتهي إلى طريقٍ لا قويم من التنازلات، ولكنه رغم ذلك يظل متحفزاً لخوض تجربةٍ نضاليةٍ جديدة، وعلى أتم الاستعداد لتقديم كل ما يطيق وما لا يطيق، كلما تجددت ثقته بقيادةٍ جديدة، لكنه في هذه الوقت يعيش مرحلة فقدان الثقة بأسوأ تجلياتها، حيث تتميز بعدم وجود بدائل تعزز تحفزه الدائم، وفي قطاع غزة خصوصاً حين تحدثه عن مصير سلاح المقاومة، سيعتبر أنك تنطلق من ترفٍ معيشي ورومانسية نضالية، لذلك فالأفضل ألّا يقرأ أهل غزة هذا المقال.

أعلن المجتمعون في القاهرة أنّهم لم يتنكّبوا عناء البحث في بنودٍ جديدة للتفاوض، بل هي بنود اتفاق القاهرة عام 2011، وما تم هو مجرد اتفاق على تفعيلها وتنفيذها، وهذا يعني أنّ البحث كان إجرائيٌ بحت، وهذه الإجرائية تتنافى مع الساعات الطويلة للتفاوض لثلاثة أيامٍ متتالية، كما تتنافى مع التراجع عن البث المباشر للمؤتمر لصالح تسجيله، ولكنه يتسق مع البيان الصحفي الصادر من القاهرة عقب الاتفاق، وجاء فيه"انطلاقاً من حرص جمهورية مصر العربية(...) وتحقيق الوحدة الداخلية للشعب الفلسطيني، من أجل إنجاز المشروع الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية، على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين"، ولذلك يبدو أنّ نبيل عمرو لم يجافِّ الحقيقة حين علق على اتفاق المصالحة كاتباً في الشرق الأوسط السعودية، أنّ حماس بهذا الاتفاق قدمت طلباً رسمياً للانتساب لمعسكر الاعتدال العربي، كما قال منير الجاغوب رئيس المكتب الإعلامي لحركة فتح(التعبئة والتنظيم)، في حوارٍ مع مشير المصري-الذي اكتفى بالثناء على برنامج المقاومة- على قناة الجزيرة" بعد وثيقة حماس الجديدة لم يعد من فروقٍ بين برنامجي فتح وحماس، ولنا تجربة بعد دخول السلطة عام 1993، حين تم دمج كل مقاتلي الفصائل في أجهزة السلطة الأمنية والعسكرية".

تبدو سيمفونية "قرار الحرب والسلم" مخرجاً مثالياً لتقديم التنازلات باعتبارها ضروراتٍ وطنية، فحين أستمع لهذه العبارة أشعر وكأننا نخفي الجيش الأحمر عن أعين العالم تحت اللحاف، فالشعوب تحت الاحتلال لا تملك قراراً بالحرب والسلم، فهي شعوبٌ معتدى عليها بشكلٍ يومي، وتحاول الدفاع عن نفسها بما تيسر، فمجرد وجود الاحتلال هو عدوانٌ دائم، حتى أننا ابتكرنا "الجنونا" كما سماه نزار قباني، حين واجه طفلٌ دبابةً بالحجر، فهل كانت الانتفاضة إعلان حرب، وماذا يعني السلم وسكين الاحتلال تقضم الأرض والرقاب، وحتى هذه اللحظة فإنّ ما يسمى برنامج التفاوض لم يقدم أيّ تنازل، بل إنّ ما يسمى برنامج المقاومة هو من قدم التنازلات، وإنّ تقديم هذا التنازلات باعتبارها في الإطار الفلسطيني المحلي، هو جزءٌ من محاولات التذاكي القيادية للتعمية على الحقيقة، الحقيقة التي تُنحر على مذابح المصالح فصائلياً والحاجات المعيشية الملحة شعبياً، فهذه التنازلات لم تُقدم للرئيس عباس أو لحركة فتح، بل قُدمت لأطرافٍ إقليمية تسعى بشكلٍ حثيث للتخلص سريعاً من صداع ما كان يسمى القضية المركزية، وذلك في إطار مشروع متكامل لتصفية تلك القضية للتفرغ لإنشاء تحالف"عربي إسلامي"، في مواجهة إيران وحلفائها بقيادة أمريكية ومشاركة"إسرائيلية".

وقد شكر عزام الأحمد الأردن والسعودية في مؤتمر إعلان المصالحة، والسعودية هذه هي على رأس ذلك المشروع التصفوي، وعلى رأسها شخصٌ بمنصب ولي عهد، أمعنت وسائل الإعلام الغربية في وصفه بالأرعن، شخصٌ تستطيع إقناعه باستثمار 45 مليار دولار في 45 دقيقة، كما قال رئيس مؤسسة "بنك سوفت اليابانية"، في دلالةٍ على خفته واستهتاره، والأخطر أنّه يعتقد أنّ طريقه الأوحد والأقصر للعرش يمر من قلب"الكابينيت"، لذلك فإنّ شخصاً يحمل هذه الرأس لا يمكن ائتمانه على "القضية المركزية"، فالسير في هذه الطريق حتماً سيؤدي إلى المهالك، وأن أتت تباعاً وتباعداً، وأخيراً فإنّ احتفاظ حماس بسلاحها حتى تحت طائلة جماعية قرار الحرب والسلم، يُفقد الرئيس الفلسطيني شرعيته الدولية والإقليمية، وهو لن يجازف بذلك تحت أيّ ظرف، وحماس لن تجازف حالياً بالتخلص من سلاحها تحت أي ظرف أيضاً، وقد يكون هذا مدخلاً لبداية مرحلة استبدال الرئيس والإعلان عن انتهاء حياته السياسية، والبدلاء أكثر من أن تُعدُّ، وأدراج عواصم القرار مليئة بخطط التنازل المرحلي، وأكثر تخمة بأدوات تزيينها، لذلك يصح القول أنّ أصحاب الموائد يقدمون لغزة لحمها لتشبع منه.