لم يدرك الجندي الذي كان يجلس على كرسيه الحديدي في حجرة سلاح الطائرات المسيرة عن بعد، و يتبتخر بطائرته التي يقودها عن بعد، في سماء قطاع غزة خلال حرب 2008 على القطاع، حين أطلق الصاروخ، المذيل بفراشة صغيرة، ليدور بشكل لولبي و يخترق الأجسام المستهدفة ويحولها إلى قطع لحم صغيرة، أن القذيفة قد أخطأت طريقها ولم تقض على الشاب ابراهيم أبو ثريا الذي كان يتوسط مجموعة من أصدقائه حاملاً علم فلسطين عند السياج الحدودي شرق مدينة خانيونس.

لقد خابت الفراشة دون أن تلتهم جسد إبراهيم كاملاً فقد نجى، غير أن دائرة المواجهات تجددت مع الإحتلال، وتقابل الجندي مرة أخرى مع نصف ابراهيم المقعد، حينها صرخ الجندي بأعلى صوته: " هو أنت ثانية ألم أقتلك سابقا؟"، ولوّح بيده مهدداً ابراهيم كما قال رفيقه، تجاهل ابراهيم هذا التحذير وضرب كفيه ليسقط الشوك الذي علق فيهما من الأرض، وتسلق البرج الحديدي القريب من السياج بسرعة، علق علم فلسطين الذي كان ينقله من كف لأخر وهو يتسلق، ثم هبط على كرسيه .

لم تمض ثانية، خيم ضباب الغاز السام الذي اطلقته قوات الإحتلال المنطقة، اغلق ابراهيم بيده اليمنى فمه، وعرج على يد واحدة مسافة قليلة للكرسي بعد أن سقط عنه، صعد ابراهيم بخفة معتادة على نعشه المتحرك، فهو الذي تدرب طويلاً على الصعود مرة واحدة على كرسيه، ثم على السيارات التي اعتاد الصعود عليها لأجل تنظيفها، ليكابد فظاعة توفير لقمة اليوم لعائلته البسيطة.

انطلق أزيز الرصاص يدوي بصوت عال، الرؤية مشوشة امام ابراهيم، نجح في احكام يديه على أذرع الكرسي، ضابط كرسيه صديقه نائل يدفعه من الخلف في مسار غير معروف، يخترقون الغاز دون تألم، إلا أن الجندي لم يخطئ هذه المرة كما فعل في حرب 2008، اخترقت رصاصة قناصة رأس ابراهيم من الجهة اليسرى، لم يسقط امسكه صديقه وهو يدفعه ويقول "أخوي ابراهيم .. أخوي، خليك ماسك فيا" .

هرع إليه كل المتظاهرون بسرعة، صرخ نائل أبو الريش الذي قاده للأمام ملبياً طلبه " لقدام لقدام كمان دزني يا نائل" وهو ينتشل رفيقه الذي بدا أخف وزناً من ذي قبل، من على كرسيه و من عمق ضباب الغاز " قهرتهم يا ابراهيم(..) والله قهرتهم هالكلاب"، كان الدم ينزف من جبينه بقوة، "استشهد ..الله اكبر" أعلن الملتفين حوله والذين يحملونه قبل وصولهم للإسعاف. 

"لم يصل الأرض المحتلة بعد السلك الحدودي الشائك ولو مرة واحدة في حياته" هذا ما يحزننا، يقول أخيه سمير، لربما كتب على ابراهيم أن لا يحقق الأمنية التي نشدها طوال حياته، وهي أن يمشي بيديه حراً خلف السياج الفاصل بين غزة و الأراض المحتلة حيث تنعدم الأشواك التي تجبر ابراهيم أن يفرك يديه كل دقيقة.

ملهم إنتفاضة العاصمة 2017 القائل " "أنا هنا لإيصال رسالة لجنود الإحتلال: هذه الأرض أرضنا ولن نستسلم، وعلى الولايات المتحدة سحب قرارها المشؤوم " أنه مشى بيديه نحو الخلود في التاريخ و في أذهان العالم، من لحق الطفلين محمد الدرة و فارس عودة أيقونة الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لم يعلم أنه نجح أخيراً في اسقاط القناع عن وحشية المحتل بعد أن كانت تؤرقهم رؤيته في ميادين الإشتباك التي لم يغب عنها يوماً، حتى بعد أن سرقت ألة القتل قدميه.

رحل للمرة الثانية وإلى الأبد البسيط الذي احتوى عائلته الفقيرة بجسد كامل و بنصف، "الحنون " كما رثته والدته وعيناها تفيض دمعاً، الذي لم يلهث يوماً وراء لقب، بعد أن علق علم فلسطين على البرج الحديدي القريب من السياج الفاصل بين قطاع غزة وقوات الإحتلال، "بعلم فلسطين لفوني فقط" كان دائماً ما يردد هذه العبارة يقول أصدقائه وهو يلاحق الشهادة، حتى نالها أخيراً ورحل تاركاً صدى إرثه الثوري يدوي في العالم كله حين انتفض للقدس" أنا فقدت قدماي لأجل بلادي وأعتقد أن ذلك غير كافي أبداً، يجب أن أقدم كل جسدي".