في قسم العظام  للرجال بمجمع الشفاء الطبي وسط غزة، كانت الصرخات متشابهة بإستثناء المُصاب وائل مشتهى الذي كان يئن بهدوء لشدة الأوجاع بعد ما فجر قناص إسرائيلي ركبته أثناء مشاركة مشتهى في مسيرة العودة الكبرى السلمية.

واستخدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي الرصاص الحي، الخارق، الحارق، المتفجر "المُحرم دولياً"، ضد المشاركين بمسيرات العودة الكبرى حيث ضاعف آلامهم، وفاقم سوء أوضاعهم الصحية، كما تعمّدت إصابة المناطق السفلية من أجسادهم باستخدام الرصاص المتفجر، والذي يحدث جروحاً غائرة، تذيب اللحم، وتهتِك العِظام، بهدف إحداث أكبر قدر ممكن من الإعاقات الحركية، وحالات البتر، إلى جانب حالات الشلل الكامل.

يصف المصاب وائل مشتهى(42 عاماً) الذي تمالك نفسه خلال إعداد مقابلة سريعة مع معدة التقرير لحظة إختراق الرصاصة المتفجرة قدمه اليسرى بأنها رعشة كهرباء "3 فاز"، ثم يقول "لم أتخيل يوماً أنني سأصاب بهذا الألم حين أمارس مهنتي المعتادة على عربة بسيطة بالقرب من الحدود الشرقية".

"حملني أصدقائي إلى الإسعاف، وأجريت لي الإسعافات الأولية، وبعد ذلك تم نقلي إلى مستشفى الشفاء في مدينة غزة لاستكمال باقي العلاج، وإجراء عملية جراحية أخرى لربط الشرايين الممزقة ثم دخلت مرة آخرى غرفة العمليات لزرع بلاتين في قدمي". يكمل المصاب  وهو يتحسس أعمدة البلاتين.

مشتهى الأب لسبعة أطفال الذي يعمل كبائع متجول ينتظر أن يتماثل بالشفاء ليعود من جديد لسد جوع أطفاله، كما أن الرصاصة لن تمنعه من التمسك في حقه بالعودة إلى بلدته برير المحتلة.

الإصابات التي تجاوزت الـ 1500 إصابة أطالت الجميع،  مريم أبو دقة هي من بين 57 سيدة سقطت فريسة لرصاص القناص الإسرائيلي الذي لم يميز بين طفل ولا مرأة ولا عجوز، في الجناح الثاني لقسم العظام النساء،  ترقد أبو دقة (24 عاماً) وحولها صديقاتها  تقول: "توجهت صباحاً مع  صديقاتي إلى دوار ملكة على الحدود الشرقية لقطاع  طاع غزة للمشاركة وبجانبي مئات النساء والرجال في مختلف أعماهم، كانت التظاهرة سلمية، ولم نتجاوز الحَدّ المسموح به، لكننا فوجئنا بإطلاق النار من الجنود الإسرائيليين".

تتابع وهي تزم شفتيها من شد ةالألم: "لم نشكل أي أذى أو خطر على الجنود، إذ كانت المسيرة تبعد مئات الأمتار عن تواجدهم"، رغم إصابتها البالغة في قدمها اليمنى، تُصر أبو دقة على مواصلة مشاركتها في مسيرة العودة جنباً إلى جنب مع صديقاتها اللاجئات رغم أنها مواطنة من مدينة خانيونس.

وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، أكدت أن جيش الاحتلال الإسرائيلي تعمد قتل أو إحداث إعاقة كبيرة في صفوف المتظاهرين السلميين الذين استهدفهم بالرصاص الحي في قطاع غزة خلال الأيام الأولى من مسيرة العودة الكبرى، مشيرة إلى أن ما مارسته قوات الاحتلال هي جريمة حرب مكتملة الأركان تستدعي من المنظمات الدولية والإنسانية والحقوقية حول العالم رفع دعاوى قضائية ضد المحتل من خلال الشهادات الحية للمصابين والجرحى.

وأوضح المتحدث باسم الوزارة أشرف القدرة، أن 154 متظاهرًا أصيبوا في منطقة الرقبة والرأس، و52 أصيبوا في منطقة الصدر والظهر، و38 أصيبوا في منطقة البطن والحوض، و97 أصيبوا في الأطراف العلوية، و738 أصيبوا في الأطراف السلفية، و89 أصيبوا في أنحاء متفرقة من الجسم، مبيناً أن من بين هؤلاء أكثر من 150 طفلاً، و57 سيدة.

ولفت إلى أنه تم التعامل مع كافة الحالات التي وصلت لمستشفيات قطاع غزة وإنقاذ الحالات المصابة رغم حجم إصاباتهم من حالات البتر، مشيرًا إلى أن ما تم تسجيله فعليًا بوزارة الصحة من حالات البتر هي حالة واحدة.

صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ذكرت أن مسؤولين في "المنطقة الجنوبية" في الجيش الإسرائيلي قالوا إنهم لن يغيّروا "سياسة فتح النار في قطاع غزة، رغم الانتقادات التي طالت الجيش بسبب استشهاد 16 فلسطينياً" في مسيرة العودة الأخيرة بمناسبة يوم الأرض، بالإضافة إلى وقوع مئات الجرحى.

وبحسب الصحيفة، فإن الجيش الإسرائيلي "لن يغيّر من انتشار القنّاصة قبالة السياج الحدودي مع القطاع"، ونقلت عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين تشديدهم على أن "مهمتهم هي منع المتظاهرين من تجاوز هذا السياج".