من المعقول أن نعتبر أن الأولويات التي تجمع "قوى المقاومة" في المنطقة صارت أكثر وضوحاً في زمن الفرز الصارخ الذي ساهم بتدشينه الأمير السعودي الشاب محمد بن سلمان، وفي عهد الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، حماس مثلاً، وجدت نفسها وحيدة بعد سقوط المشروع الإخواني، فقررت تلّقف حدث اسقاط المضاد السورية للطائرة الإسرائيلية مطلع فبراير الماضي، وأعلنت الاستنفار لتوصل رسالة مفادها أن: " زمن التفرد بالجبهات ولى".

كل المؤشرات التي تلت إسقاط الطائرة الحربية، رجحت واقعية "المواجهة موحدة الجبهات". ليس بدءاً من إعلان المقاومة في قطاع غزة الإستنفار نظراً للحدث، ولا إنتهاءاً بطريقة تعامل الجيش الإسرائيلي مع هذه المواجهة التي وضعها الجنرال "غادي إيزنكوت" في إستراتيجية الجيش لعام  2018 و تم الكشف عنها مؤخراً.

وبالحديث عن الجبهة الموحدة، لا يمكن التغافل عن عنصر قد حدد له وجهة جديدة بعد الانكسارات التي تلقاها في كل من العراق وسوريا، ولم تكن نهاية مرحلته .

"داعش"  في المواجهة الموحدة .. أين؟

إعادة تموضع جماعات"داعش" في سيناء على حدود قطاع غزة، وإعلان هذه الجماعات الحرب على القطاع والمقاومة، بقطع خطوط الإمداد العسكرية والمدنية والتهديد بعمليات مضادة، يبدي بشكل جلي المخطط الجديد الذي يفضي بـ "إعادة استخدام هذه الجماعات في ساحاتٍ أخرى غير التي هزم فيها".

مضافاً إلى ذلك، التغييرات التي ينفذها التنظيم منذ قرابة عامين في بنيته التنظيمية، والحديث عن وصول  قيادات ميدانية من سوريا والعراق عبر تركيا إلى سيناء خلال الشهور الماضية، ومعهم عشرات المقاتلين، وأيضاً التحذيرات والتهديدات  التي بعثها التنظيم سابقا، لحماس و حركات المقاومة في غزة، كل هذه التراكمات تجعل الحديث عن أن دور هذه الجماعات في حال نشوب مواجهة موحدة سيكون فعالاً أوعلى الأقل سيحاول أن يكون له ذلك.

وأيضاً لا يغيب التبادل الأمني بين إسرائيل وجماعات سيناء عن الأنظار، وكان البرهان الفعلي لهذا التعاون، هو كشف نفق للمقاومة كان يستخدم بشكل مزدوج " تهريب الأسلحة إلى القطاع عبر سيناء، و إختراقه للأراضي الفلسطينية المحتلة، وتفعيله هجومياً".

هذا إلى جانب، تحذير "المخابرات" المصرية لحركة حماس من وجود نية مبيتة لدى "ولاية سيناء" بتنفيذ عمليات على الحدود مع القطاع ونقاط الضبط الميداني التابعة للحركة بعد تمكنه من اغتنام عدد من العتاد العسكري من الجيش المصري، واكتشاف الاجهزة الامنية لعدد من الأنفاق السرية التابعة لـ"ولاية سيناء"  تمتد من منازل مقامة على الشريط الحدودي في رفح، وتنتهي في الجانب المصري، وتستخدم لتهريب الأشخاص والأسلحة.

ما يعني أن الحديث عن دور فعال أو شبه ذلك، ضد المقاومة في غزة، في أي مواجهة شاملة مع إسرائيل، ترجحه هذه التراكمات بشكل فعلي على الأرض، وإن كان سقف هذا الأثر، قد يكون "استنزاف المقاومة في أي مواجهة مقبلة مع (اسرائيل) أو قبل المعركة".

المحلل والكاتب السياسي إيهاب زكي، قال في حوار مع وكالة "نبأ برس" الإخبارية، " على الرغم من أن اندحار التنظيم في سوريا والعراق قد أدّى إلى فشل المشاريع التي وكلت إليه، لكن ذلك لا يعني انتفاء الحاجة الأمريكية "الإسرائيلية" لوجوده، و وقد يكون إعادة استخدام هذه الجماعات في ساحاتٍ أخرى حسب  الحاجة، ومنها حدود قطاع غزة وداخله إن تمكنت.

وفقا لحديث زكي وجود "داعش" في غزة، قد يكون ملحاً في حالة الرغبة "الإسرائيلية" على شن عدوان موسع، لكن أيضاً، لا يمكن التعويل على هذا التنظيم في لافتعال حرب أهلية مرهقة للمقاومة أو جرها لمربع الإستنزاف، إذ أن حماس لا تخشى حتى اللحظة محاولة تعاظم قوة التنظيم داخل غزة، كونها تمسك بمفاصله على المستوى الأمني وتعرف قدراته الحقيقية.

فيما لا يخفى الضربة التي وجهتها حماس لـ "داعش"وغادرت المنطقة الرمادية من الموقف ضد هذه الجماعات، إلى ميدان مواجهته، وشنت حملة قوية على اتباع هذه الجماعات وبعض السلفيين داخل القطاع، بعد الكشف عن مخططات هجومية كانت معدّة للتنفيذ داخل القطاع، مما سعر  التهديدات ضد حماس.

وبالعودة إلى زكي الذي بيّن أنه، في حال اندلاع مواجهة شاملة مع العدو الصهيوني، ليس من المؤكد بقاء "داعش" بشكله الذي نعرفه اليوم، خصوصاً بعد إنحسار مصادر قوتها و إنتهاح المحور استراتيجية "التصدّي المشترك للعدوان الإسرائيلي"، ومحاولتها تلميع نفسها كـ"قوة موجودة فقط"، وقد تتحول هذه الأداة "الأمريكية الصهيونية" لتأخذ أشكالاً متعددة، لن يخرج عن عمل أي طابور خامس، أي "زعزعة نفسية فقط".