علمتنا حروب العرب مع "إسرائيل" أن أبلغ ما تخلّفه الهزيمة، ليس خسارة الأرض واستقلالية القرار فقط ، إنما الموروث النفسي الذي ينقله الآباء إلى أبنائهم، هذه الموروث الذي كوته الهالة التي يحيط بها المنتصر نفسه، تلك الهالة التي ثَبٌت بالتجربة العملية إنها جدار هلاميٌ مكانه نفوس المهزومين، هالة القوة تلك، ليست سوى درع يبدع العدو في استخدامه لإخفاء ضعفه.

قليلٌ من النظر في تاريخ الشعوب التي استعادت حريتها، كفيل لأن يبرهن بالوقائع التي يجافيها الشك، أن عمر الغازي مهما طال قصير، وأن وعي الثائر فقط، هو من يحدد المستقبل الزمني الذي سيعيشه عدوه، وليس ببعيد من اليوم، قالت لنا المقاومة اللبنانية عام 2000 أن عصر "إسرائيل" انتهى، وأن الهزيمة التي كان يخشى قادة إسرائيل حدوثها لأنها ستكون فاتحة زمن الهزائم، قد حدثت فعلاً، وبعد سنوات معدودة، كانت المقاومة في قطاع غزة 2004، تقيم الحجة على نفسها، بأن المقاومة النقية سلوك منجز.

لكن، وبرغم نقاط ضعف إسرائيل الكبيرة التي سنستعرضها في ملف "درع العنكبوت"، نجد أن عدونا أنفق كبيراً من الجهد البحثي، في بناء قوةٍ مستدامة على حساب مفاصل الضعف التي يعاني منها خصمها، "إسرائيل" قوية بغير السلاح، فقد لعبت بأعلى مستويات الذكاء على التباينات الأيدلوجية وعقد الطموح الذاتي في قوى المقاومة التي تعاديها، وفي سبيل ذلك، بنت مراكز الدراسات وجنّدت العملاء الناعمين، وملأت كل الفراغات الممكنة لصالحها.


ضفدع إسرائيل

في حراك المقاومات المنتجة، ليس هناك مكان للاعتباط والمجازفة والتجريب، ولا يبدو مقبولاً أن يعطل صاحب الحق إحدى حواسه، إذ إن عليه أن ينام وعيونه مفتوحة، ويخطط ونظره إلى أقصى مما يتوقع عدوه، فإذا حضر الوعي، صارت القوة والسلاح إجراءً يمكن استخدامه على نحو منجز، أما إذا زاف الوعي وتاه، يصبح السلاح أداة استهلاك للزمن والمقدرات فقط.

إن أكثر ما تراهن عليه "إسرائيل" في حروبها الناعمة، هي تراكمية الردع الجمعي، الذي تفقد صاحب الحق أدنى إرادة للقتال، وتجبره لقبول الحد الأدنى من الحقوق، والتعاطي مع الوقائع المتجددة على أنها قطعية البقاء، هذا الجانب المظلم من المعادلة القائمة اليوم بين "إسرائيل" والفلسطينيين، يشبه إجراءً سلوكياً جربه علماء الأحياء على كائنٍ اسمه الضفدع، حيث وضعه الباحثون في ماء مغلي، فقاوم بأكثر ما يمكنه في سبيل بقائه، ولكن، عندما وضعوه في قدرٍ من الماء البارد، وأشعلوا أسفله النار، كان "الضفدع" يتكيف من سخونة الماء، ولما وصل القدر إلى مرحلة الغليان، كان قد فقد أي قدرة على المقاومة.
هكذا تسمح "إسرائيل" لخصومها أن يستهلكوا سبل مقاومتهم على نحوٍ غير منجز، تدخلهم الحروب المتتالية، ليس لاستنزاف سلاحهم فحسب، إنما لتجريدهم من إرادة القتال، من الشعار، من أحلام الثائرين التي يفديها البسطاء بحياتهم.

عندما نقدس الوعي، فنحن حينئذ، نعصم أنفسنا من التجارب المستهلكة، لأن الحالة الوطنية لم تعد تسمح بالكثير من المجازفات، في الوقت الذي أضحت فيه إرادة المقاومة على المحك، وسط الصراخ الشعبي الذي ضجر من المغامرات التي تنتهي بالعبث والفراغ. (اقرأ ملف الاندماج الأقصى)

 

عقدة الأيدلوجيا  

"نعم الأيدلوجيا أفيون المقاومين" علينا أن نقرّ، أن أكثر ما خدم أعدائنا خلال الأربعين عاماً الماضية، هو التباين الأيدلوجيا الطائفية بين الشعوب التي تقهرها الهيمنة الأمريكية، وخلال ما سُمي زوراً "الربيع العربي" سقطت قوى المقاومة في تلك الهوة، إذ ركن الفلسطينيون قضيتهم الوطنية جانباً، وانجرفوا مع سيل الأهداف الحزبية، ولم يكن الميزان الوطني حاضراً البتة في إطلاق المواقف والاصطفافات، تلك العقدة، سمحت لدولٍ وظيفية ملكية في اختراق حركات المقاومة والتأثير في قراراها وميولها، تلك العقدة أيضاً، جعلت من المقبول أن يخرج عالماً من علماء الأمة، يتوسل البيت الأبيض بأن يقف موقفاً لله في ضرب بلدٍ عربي ويقسّمه ليصبح لاحقاً نٌهباً لمن ألقى بقنابله عليه أكثر.
إن بداية الفكاك من حبائل الفشل، تتلخص في إعادة صياغة الميزان الذي تبنى عليه المواقف، على أسس وطنية صرفة،
الأساس الذي يقول، عليك أن تقف في الجهة المقابلة التي تقف فيها "إسرائيل وأمريكا" والدول العربية التي تدين لها بالسمع والطاعة.

فليصحو السلاح

في ملف "درع العنكبوت" الذي أُنجز في الوقت الذي تزايد الحديث الإسرائيلي عن إمكانية توحد قوى محور المقاومة في حربٍ متزامنة، وأبدت المقاومة الفلسطينية قبولاً نسبياً للفكرة، كان البحث الذي استغرق عدة شهور، قائمٌ على أسس موضوعية انطلقت من نظرة إسرائيل لفرضية وقوع حربٍ كهذه، ذلك الهاجس، كان حاضراً في خطة الجيش الإسرائيلي الاستراتيجية لعام 2018، التي تسمى "جدعون" ، إذ يجري تعديلها وتطويرها لتناسب فرضية "توحيد الجبهات".
 ولأننا لا نعلم يقيناً ماذا أعدت المقاومة، استعان الزملاء بعدد من الباحثين والخبراء؛ للخروج بسيناريو متكاملٍ عن شكل الإنجاز الذي يمكن أن يتحقق إذا ما تم ذلك، وبين الواقع والمأمول، تقف مذهولاً حين تتجرد من هالة تأليه القوة الإسرائيلية، تجد أن هذا الكيان –إسرائيل-، ليس سوى بارجة أمريكية زرعت في وسط يرفضها، وأن بقائها وتمددها أو وزوالها، مرهونٌ بقرار يتخذه المقاومون، بالتجرد من كل التباينات لإزالتها، نعم لإزالتها، ولدينا يقين بذلك.