لا يبدو أن "إسرائيل" قادرة حتى اللحظة على هضم الوقائع الميدانية المتجددة في سوريا، فالمنجز الميداني الأخير المتمثل بالقضاء على آخر جيوب تهديد العاصمة دمشق، الذي انتزع بتكاملٍ سياسي روسي، وظهير ميداني من حلفاء سوريا، بدا أعلى من طاقة التحمل الإسرائيلية، فالضربة بحسب محللين سياسيين، لم تكن موجهة لسوريا فقط وإنما لحلفائها أيضا كروسيا وإيران، وما بين غض الطرف الإسرائيلي عن تصاعد قوة محور المقاومة أو استمرار توجيه الضربات له، وقعت (إسرائيل) في حَرج الخيارات.

في ظل تلك الأجواء كانت الولايات المتحدة  قد أعلنت أنها ستقدم مشروعا لوقف إطلاق النار في الغوطة السورية. وإذا لم يتجاوب معها مجلس الأمن فستتصرف بذاتها وتضرب دمشق والجيش السوري فيها، لكن موسكو ردت بأن ضباطا كباراً وجنوداً من الجيش الروسي متواجدون في دمشق. وإذا ضربت اميركا فسترد روسيا على مراكز النار، كذلك ستسقط الأهداف الجوية سواء كانت صواريخ ام طائرات تتجه نحو العاصمة دمشق.

وضعت روسيا أسطولها البحري وطائراتها في حالة طوارئ كما وضعت جيشها بكامله من سوريا حتى جزيرة القرم بأقصى حالات الطوارئ، في المقابل لم تقدم الولايات المتحدة مشروع قرارها لمجلس الأمن، لكن ستقدمه خلال أيام وسيرفضه المجلس، وفقا لمراقبين، فهل تقوم أميركا بضرب سوريا أم تتراجع؟ وما هي الحدود التي يمكن أن يتوقف عليها أي حدثٍ عسكري؟

المتخصص اللبناني في الشؤون الميدانية والعسكرية جمال شعيب رأى أن كل الوقائع الدولية والإقليمية تقود لاستبعاد الصدام العسكري، كون أكبر المخاوف التي تحاول (إسرائيل) الابتعاد عنها خوض حرب واسعة على عدة جبهات.

ويضيف شعيب لوكالة نبأ برس: "طالما أن هناك أدوات ووسائل أخرى يمكن أن تلجأ إليها اميركا واسرائيل، فالصدام العسكري المباشر غير مطروح، لكن إذا انعدمت الوسائل ووصل الجنون الأميركي للذروة فقد نشهد ضربات كبيرة وواسعة تؤدي إلى مواجهة شاملة".

ويؤكد المتخصص في الشؤون الميدانية والعسكرية أن (إسرائيل) سعت منذ إسقاط إحدى طائراتها في سوريا الى اعادة الاعتبار لقدراتها وتفوقها النوعي في الجو، إلى جانب محاولة تثبيت المعادلة التي لطالما سعت لتثبيتها في سوريا وهي الحق في التدخل واستهداف ما يمكن ان يغير معادلة التوازن العسكري القائم بين المقاومة و (إسرائيل)

ويشير شعيب إلى أن فبركات القصف الكيماوي في الغوطة السورية شكّلت فرصة ذهبية لـ(اسرائيل)، في محاولة لإظهار غاراتها كرد على ما حصل.

وبشأن رد فعل محور المقاومة إزاء الغارات الإسرائيلية، وخاصة بعد إعلان طهران بأن سبعة من عناصر الحرس الثوري الايراني قد قضوا في الغارات الأخيرة على مطار T4 العسكري، يوضح شعيب: "هناك نية للرد وإعلان وسائل الاعلام الايرانية المقربة من الحرس الثوري عن أسماء ومسميات الشهداء يعني أن الرد قادم، لكن اعتدنا على ان يرد محور المقاومة على أي اعتداء بأشكال متعددة وأحيانا كثيرة يكون الرد بشكل غير ملحوظ".

وعن الموقف الروسي، يؤكد شعيب أن روسيا غاضبة جداً والمعطيات تشير إلى انزعاج روسي كبير وهذا ما دفع الخارجية الروسية لاستدعاء السفير الإسرائيلي في موسكو، كون ما تقوم به (إسرائيل) يحرج روسيا أكثر سياسيا وميدانيا واستراتيجيا.

يوافقه في ذلك، المحلل السياسي ثابت العمور الذي يرى أن الانزعاج الروسي وصل لمستويات مرتفعة، مرجحاً أن يكون للروس كلمة على أكثر من مستوى، لكنه استبعد في الوقت ذاته رداً روسيا مباشراً باستهداف كيان الاحتلال الاسرائيلي.

يضيف العمور لوكالة نبأ برس: "عندما لم تُفلح مسرحية الكيماوي قامت إسرائيل بالقصف وعندما لم تسقط سوريا وحققت القيادة السورية تقدما على الجماعات المسلحة المدعومة من اسرائيل واميركا، استداروا لعمليات عسكرية على الرغم من أننا تجاوزنا مرحلة إسقاط النظام السوري، ولم يعد بمقدور احد إسقاطه".

أما عن مقتل عناصر الحرس الثوري الايراني فهذا يعني، وفقا للعمور، ان الحرب لا تقتصر على إسرائيل وسوريا وإنما إيران في المشهد أيضا، وهذا يعزز الاعتقاد بأن (إسرائيل) لديها معلومات عن وجود شيء مهم في هذا المطار وأرادت إجهاض تحرك نوعي للجيش السوري وحلفائه.

ويشدد المحلل السياسي على أن تهديدات ترامب المتتالية بضرب سوريا فقط لرفع السقف أكثر حتى تمرر سوريا وإيران الضربة الإسرائيلية، مشيراً إلى أن الجميع الآن موجوع من الانتصارات التي حققها الجيش السوري على الأرض خصوصا ما يتعلق بدوما وتحرير معظم الاراضي السورية من الجماعات الإرهابية.

وبحسب موقع تيك ديبكا الإسرائيلي، فإن الرئيس الروسي بوتين حذر (إسرائيل) بالفعل من تكرار القصف، قبل شهرين، عندما أسقطت المضادات السورية طائرة اف 16 بعد غارات مكثفة في سوريا، وقال انه سيغير من ردود القوات الجوية الروسية على أي هجوم.

يضيف الموقع العبري: "إلتزمت إسرائيل شهرين فقط والآن على ما يبدو قررت أنه ليس لديها خيار سوى مهاجمة أهداف إيرانيه فى سوريا. بعبارة أخرى عرفت إسرائيل وأخذت على ما يبدو في الاعتبار أن بوتين سيرد على ذلك".

وضمن شرحه للموقف الروسي، توقع الموقع المزيد من التحركات الروسية، يتمثل أشدها خطورة وقلقا لكيان الاحتلال في إمكانية أن تدعم روسيا حرب استنزاف تشارك فيها سوريا و إيران وحزب الله ضد (إسرائيل) في جنوب وغرب سوريا