قد يكون عبثياً البحث عن أسباب التوافق بين رؤية وزير الحرب الصهيوني أفيغدور ليبرمان ورؤية عزمي بشارة مثلاً، -وهنا عزمي ليس كشخص بل كتيار يمثل ويتمثل في شريحة وازنة عربياً وإسلامياً-، ففي الوقت الذي يقول فيه ليبرمان" أنظرما الذي يرتكبه الأسد بحق الفلسطينيين في مخيم اليرموك..أهناك من يستنكر جرائم مماثلة؟ لا."، يقول عزمي في ذات التوقيت"لقد كُتب على المحاصرين في قطاع غزة أن يقاوموا حصارهم وأن يرفعوا في الوقت ذاته بيارق حق العودة في تحدٍ للواقع المكثف جداً المتمثل في تصفية مخيم اليرموك"، وعبثية البحث عن أسرار التوافق بين هذه الشريحة وبين ليبرمان في الحرص على مخيم اليرموك، تشبه عبثية البحث في خلفيات استضافة ليبرمان على صفحات موقع سعودي-إيلاف-، والعبثية تكمن حين لا يكتشف أحدنا التكثيف الفعلي والحقيقي في هذا التوافق بين الطرفين، وحتى الفروقات بين الطرفين شكلية بحكم الموقع والوظيفة ولا علاقة لها بالمضامين والأهداف، ولا تحتاج لاكتشافاتٍ عبقرية تُبعد عنها شبهة العبثية، فشريحة عزمي تعتبرها مسيرات مقاومة حصار، فيما يعتبرها ليبرمان مهزلة.

منذ بداية العدوان على سوريا لم يكن مخيم اليرموك بعيداً عن التوظيف في إطاره، كما لم تكن أطراف فلسطينية وعربية أيضاً بمنأى عن ذلك، فكانت إحدى الأفكار الرئيسية التي يجب انتزاعها من الدولة السورية، هي كونها دولة ممانعة وراعية للمقاومة وذلك في إطار شيطنتها، فتم انتزاع المخيم بقوة السلاح من سلطة الدولة، وذلك بهدف توريط الجيش السوري في حربٍ مع المخيم، يتم تسويقها كحربٍ لا أخلاقية تنزع عنه صفة الممانعة والحماية والرعاية للمقاومة، فهو يقتل من يدعي حمايتهم ورعايتهم واستضافتهم كمواطنين سوريين، ولكن الدولة السورية هي دولةٌ أولاً ودولة عاقلة ثانياً وممانعة ثالثاً، فهي ليست محمية أمريكية ولا تتعامل بردّات الفعل الهوجائية كما أنها لم تنحرف بوصلتها، فاكتفت بالعمل على منع تمدد الإرهاب خارج المخيم لتهديد العاصمة، دون التورط في معركةٍ لم يتوانَ من احتل المخيم على استفزاز الجيش السوري بغية جره للمعركة الفخ، وهو فخٌ سياسي أخلاقي وليس عسكري، ففي تلك الفترة كان اقتحام المخيم يسيراً مقارنة بما عليه الوضع حالياً، وامتناع الجيش السوري عن تحرير المخيم كان بسبب رمزيته، فالواقع أنّ الفلسطينيين في المخيم هم أقلية حيث كانت نسبتهم قبل غزو داعش والنصرة لا تتجاوز 25% من عدد السكان السوريين الذي يتجاوز المليون نسمة.

حتى هذه اللحظة يكتفي الجيش السوري بدعم قوات فلسطينية لتحرير المخيم، ولشيطنة هذه القوات الفلسطينية ونزع فلسطينيتها يُقال في إعلام النفط والغاز، "قوات فلسطينية موالية للنظام"، ولكن أعلام النفط يتغاضى عن السؤال المثير والذي هو، مجاميع داعش والنصرة التي تحتل المخيم، هي قوات موالية لمن؟ حسب اعترافات حمد بن جاسم فهي موالية للولايات المتحدة، حين قال أنّ كل شئٍ تم في غرفة عملياتٍ مشتركة تركية سعودية قطرية تديرها واشنطن، وبغض النظر عن أنّ هذا الاعتراف يستبطن كونها موالية لـ"إسرائيل"، فإنّ غرفة العمليات الموازية لغرفة عمليات تركيا في عمان-الموك-التي كانت تدير تلك المجاميع الإرهابية على الأراضي السورية، كان يشغل أحد مقاعدها ضابط"إسرائيلي"، ويبدو أنّ هذا الضابط هو الذي أثار عواطف ليبرمان تجاه المخيم، فقد يكون هو من أبكاه حين شرح له الوضع الإنساني في المخيم، رغم أنّ سكان المخيم الذي كان تعدادهم يتجاوز المليون نسمة قبل احتلاله، أصبحوا جميعاً خارج المخيم باستثناء المسلحين وأهاليهم، وفي أعلى الإحصائيات يبلغ تعدادهم 15 ألف شخص أو يزيد، ولا أعرف ماذا ستقرر غرف العمليات تلك-العامل منها والمتوقف- حول مصير هؤلاء، الذين ارتضوا أن يكونوا أداة أمريكية"إسرائيلية"، فهل ستجعلهم يقبلون بالمصالحة أم سيركبون الباصات الخضراء لاستخدامهم في معركةٍ أخرى، أم ستستنزفهم حتى الرمق الأخير كعبئ وسرٍ يجب دفنه تحت أنقاض المخيم.

كان ما يسمى "تنظيم أكناف بيت المقدس" -حين طعن العاصمة السورية في القلب- يسيطر على مخيم اليرموك، وهو فصيل فلسطيني معروف التبعية، في العام 2015 دارت معارك طاحنة بينه وبين وتنظيم داعش لانتزاع السيطرة على المخيم، فاندحر"الأكناف" أمام رفاق"الثورة والسلاح"، وأعمل داعش السيف في رقابهم، ومن المفارقات أنّ مقاتلي "الأكناف" كانوا يهربون من داعش ليسلموا أنفسهم للجيش السوري، كجهةٍ وحيدةٍ مؤتمنةٍ على رقابهم، ومن الهاربين هؤلاء من حارب داعش تحت راية الجيش السوري، ومنهم من غادر الحياة العسكرية، رغم أنّ الإعلام الداعم للـ"أكناف" في قطر وتركيا وغيرهما لم يلحظ ذلك، بل لم يكف عن شيطنة الجيش السوري، إنّ أسوأ ما يفعله قائد هو بيع الوهم لشعبه، وأن يبني على تلك الأوهام مصائرهم عرف أم لم يعرف، وهنا مصيبة المعرفة أكبر من مصيبة عدمها، فرمزية اليرموك ستبقى ببقاء الدولة السورية، كما ستبقى رمزية مسيرات العودة ببقاء الشعب الفلسطيني، وأما من يتسلق الرمزيتين فهم إلى زوال، والأخطر هو أن نأخذ مسيرات العودة إلى رهانات حزبية وفصائلية كما أخذنا مخيم اليرموك، ثم نراهن على إنسانية كاذبة وتجييشٍ خدَّاع، كممراتٍ إجبارية لمشاريع استبدالية فاشلة.