بعد قرابة عشرة أسابيع على انطلاق مسيرات العودة وفي سابقة هي الأولى من نوعها، أطلقت طائرة استطلاع إسرائيلية صاروخاً تحذيرياً صوب مجموعة من مُطلقي الطائرات الورقية الحارقة شمال قطاع غزة، في خطوة عملية أولى لكبح جماح مطلقيها متذرعة بحجم الخسائر في حقول المستوطنين التي بلغت نحو 5 مليون شيكل، وفقاً لوزير المالية الإسرائيلي.

وجاء في بيان صادر عن جيش الاحتلال أول أمس السبت: "أطلقت طائرة عسكرية نيران تحذيرية باتجاه خلية كانت تقوم بإعداد بالونات متفجرة. ينظر الجيش بخطورة إلى استخدام البالونات والطائرات الورقية الحارقة وسيعمل لمنع استخدامها"، فيما قال وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، إن "إسرائيل ليست على استعداد لتقبل استمرار إطلاق الطائرات الورقية (الحارقة) والمظاهرات قرب السياج الحدودي، ومحاولات اقتحام السياج، والتسبب بأضرار لأعمال ومناطق تقع تحت سيادتها".

فيما، دعا وزير أمن الاحتلال، جلعاد أردان، الأحد، إلى استهداف مطلقي الطائرات الورقية الحارقة في قطاع غزة، والتي تسببت باندلاع عشرات الحرائق في المستوطنات والمواقع الإسرائيلية المحاذية للقطاع، وقال أردان قبيل جلسة الحكومة الأسبوعية: "سأطالب الكابينت اليوم بإقرار إطلاق النار على مطلقي الطائرات الورقية الحارقة".

وتُشكل الطائرات الورقية المشتعلة هاجس للجيش الإسرائيلي وأوساطه السياسية، خاصةً وأن جميع المحاولات "التكنولوجية" التي اتبعها الجيش لمواجهتها قد فشلت، كما أثارت تلك الطائرات المشتعلة غضب الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية، وشغلت الرأي العام الداخلي؛ في ظل العجز عن مواجهتها.

وعلى الرغم من أن التكلفة المادية لتصنيع الطائرات الورقية متدينة جداً وقد تصل إلى مبلغ "دولار أمريكي" للطائرة الواحدة، إلا أنها تكبّد الجانب الإسرائيلي خسائر تقدّر بملايين الدولارات، ويستخدم الجيش الإسرائيلي الطائرات المسيرة بالتحكم عن بعد والتي تحمل كاميرات وأدوات حادة لاعتراض الطائرات الورقية التي تطلق من غزة، لكن هذه التكنولوجيا المتطورة لم تتمكن من اعتراض الطائرات الورقية البدائية إلا بنسبة منخفضة جداً.

ويطلق صانعي الطائرات الورقية المشتعلة، الذين باتت أعدادهم تتجاوز المئات، اسم "وحدة الزواري" على أنفسهم، نسبة إلى مهندس الطيران التونسي الذي أعلنت السلطات التونسية، بـ15 ديسمبر/ كانون أول 2016، اغتياله بمدينة صفاقس، جنوبي البلاد، وفي نهاية مايو/ أيار الماضي، ذكرت القناة الثانية الإسرائيلية، أن المتظاهرين الفلسطينيين في غزة أطلقوا نحو 300 طائرة ورقية حارقة منذ بداية تظاهرات مسيرة العودة نهاية شهر مارس/ آذار الماضي.

ويُشكل الاستهداف الإسرائيلي نقطة تحويل جديدة لمواجهة الطائرات الورقية الحارقة، وفي ذلك يرى الخبير في الشأن الإسرائيلي فرحان علقم أن الاستهداف الإسرائيلي لمطلقي الطائرات الورقية يأتي استجابة لضغوطات إسرائيلية داخلية من قبل أعضاء الكنيست المعارضة، لاستهداف مطلقي الطائرات الورقية واعتبارهم مثل مطلقي الصواريخ.

ووفقاً للخبير في الشأن الإسرائيلي فرحان علقم، فإن الاستهداف الإسرائيلي يحمل رسالة للمتظاهرين في محاولة لتحقيق حالة الردع، ورسالة أخرى لمطلقي الطائرات الورقية ليتراجعوا عن هذا الفعل، مضيفاً "الشعب الفلسطيني إعتاد دوماً على التحدي وعدم قبول الهزيمة والتراجع، وكلما زاد ضغط اسرائيل كلما زاد إصرار شعبنا على المواصلة والإبتكار لتصبح أكثر فعالية".

وقال علقم في حديث خاص لـ "نبأ برس"، إن الجرائم التي ارتكبها جيش الاحتلال خلال مسيرات العودة لم تردع الشعب الفلسطيني من التوجه مجدداً نحو الحدود، مبيناً أن الكثير من الجرحى الفلسطينيين عادوا إلى الحدود بعد إصابتهم للمرة الأولى، وأُصيبوا مرة أخرى خلال المواجهات على الحدود.

وبشأن استهداف مطلقي الطائرات الورقية بصاروخ تحذيري، علق علقم قائلاً "هذا الأمر يعكس عدم وجود رغبة لدى إسرائيل في التصعيد وعدم الحاجة للدخول في موجة مفتوحة بعد الرد العسكري الأخير لفصائل المقاومة بغزة، إسرائيل غير جاهزة للدخول في مواجهة مفتوحة مع المقاومة على الإطلاق وإنما تفضل إتباع استراتيجية الكر والفر".

وبين علقم أن الاستهداف بصاروخ تحذيري يحمل رسالة للمجتمع الدولي مفادها، بأن (إسرائيل) تمارس ضبط النفس بقدر كبير بما ينسجم مع القانون الدولي، وأنها لا تستهدف المدنيين، وذلك للتحفيف من حدة ووطأة الانتقادات الدولية.

واتفق الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني مع سابقه، واعتبر أن (إسرائيل) تحاول أن تجر قطاع غزة لحرب عسكرية من أجل الهروب من استحقاقات مسيرات العودة لاسيما كسر الحصار، وتشويه صورة (إسرائيل) أمام الرأي العام الغربي.

وأضاف الدجني "الطائرات الورقية شكل من أشكال النضال الشعبي ورسائل للاحتجاج السلمي الشعبي الفلسطيني، وإسرائيل منذ اليوم الأول حاولت تضخيم نتائج الطائرات الورقية من أجل أن تعطي تبريرا للعالم بأن هذه المقاومة ليست سلمية تحاول خلط الأوراق".

وخلص الدجني بالقول "لا أعتقد أن إطلاق الصواريخ تجاه مطلقي الطائرات الورقية وإغتيالهم سيحقق حالة الردع، وربما لو فهمت  إسرائيل سيكولوجية المواطن الفلسطيني لكانت التكلفة أقل، وخيارات الفلسطيني واسعة، وإسرائيل مرتبكة من خيار المقاومة السلمية".