بعيدا عن تشعبات السياسة وألوانها المتعددة، يتوافق أهالي قطاع غزة بشكل يشبه الإجماع على أن فعاليات عيد الفطر السعيد لا تبدأ إلا بتناول وجبة "الفسيخ" كجزء من ظاهرة اجتماعية أولا، وكحل صحي للمعدة بعد شهر كامل من الصيام ثانيا.

"الفسيخ" عبارة عن سمك من أنواع كثيرة كالبوري والدنيس والجرع، يتم تخليله في الملح فترة من الزمن، تمهيدا لقليه أو شويه، ويجري تناوله إلى جانب طبق من البندورة المقلية غالبا.

وبحسب الحاجة أم عبد الله يوسف فإن وجبة الفسيخ باتت طقسا مهما من طقوس عيد الفطر على الرغم من انها ليس تراثا قديما للفلسطينيين فالعائلات الفلسطينية قبل الهجرة كانت تبدأ عيدها بتناول أطباق من الشعرية المحلاة التي تكعف الأمهات على طهيها بشكل جماعي وأجواء تملؤها البهجة والسرور والأهازيج.

وتضيف الحاجة التي لا يكاد يخلو مطبخها من وجبة الفسيخ صباح كل عيد فطر منذ عشرات السنوات، أن أصل هذه الوجبة يعود لعادة مصرية قديمة بعد أن تداخل المجتمع الفلسطيني مع المصري عقب الهجرة إلى القطاع عام 1967.

وعلى الرغم من طيب مذاق الفسيخ وفوائده الصحية التي لخصتها الحاجة بـ"رتق المعدة"، إلا أنها نصحت بعدم الاكثار منه بسبب غزارة الملح فيه، فضلا عن كثرة الحديث حول حالات تسمم تسبب بها الفسيخ خلال الاعياد السابقة.

يوضح ذلك، خبير التغذية الدكتور "محمود الشيخ علي" الذي يرى أن استبدال وجبة الفسيخ بوجبة خفيفة كتناول قطعة جبن أفضل بكثير من تناول وجبة شديدة الملوحة.

ويضيف الشيخ علي لوكالة نبأ برس: "يعتقد البعض ان الفسيخ مريح للمعدة بسبب ملوحته بعد شهر من الصيام، لكنه لا يعدو كونه مذاق لذيذ وجزء من العادات والتقاليد، حيث إنه لا يحتوي على مادة غذائية".

 ويوضح خبير التغذية أن القيم الغذائية الموجودة في الفسيخ خرجت أثناء عملية تمليحه الطويلة، ناصحا بتناول وجبة خفيفة إلى حين تعوُّد المعدة على تناول الطعام فترة الصباح بعد ان كانت الوجبة الرئيسية فقط بعد المغرب.

ويتابع: "الفسيخ بحد ذاته خطير جدا كون  بعض التجار يحولون الكثير من الاسماك القديمة والتي تقترب من الفساد إلى فسيخ اعتقادا منهم ان الملوحة تقتل البكتيريا، فيما المواطن لا ينتبه لذلك مع الطعم اللذيذ، ما يمكن أن يتسبب بتسمم نظرا لعملية التفسيخ غير السليمة".

ويؤكد الشيخ علي أن الأفضل هو الاستغناء عن وجبة الفسيح لكن اذا كان لابد منها فيجب شراء الفسيخ من تاجر موثوق والتأكد من عدم احتواء الأسماك على بقع بيضاء من الداخل، ثم نقع الفسيخ في الماء والخل لفترة كافية حتى يقلل من ملوحته، وأخيرا تناول كمية قليلة منه.

ويختم خبير التغذية بأن ظاهرة الفسيخ ارتبطت عند بعض العوائل بعادة سيئة تمثل كارثة أكبر من الفسيح بحد ذاته وهي قلي البندورة المرافقة للوجبة بزيت قلي السمك المحروق ما يؤدي لاختلاط البندورة بسموم الزيت الوفيرة.

وعلى الرغم من المحاذير الكثيرة التي تؤكدها دراسات حديثة حول الفسيخ، فضلا عن مئات المواطنين الذين جرى نقلهم للمستشفيات عقب تناول الفسيخ وخاصة سمك الرينجة في الأعوام السابقة، إلا أن المواطنين ينحازون لتناوله بشراهة.

ويستهلك أهالي قطاع غزة ما يقارب 30 ألف طن من السمك المملح خلال أيام العيد المبارك، وتبرر معظم العائلات التي تنحاز لطيب مذاق هذه الوجبة بأنهم لا يتمكنوا من تناول الفسيخ إلا مرة واحدة طيلة العام، ما يعكس تمسكهم بها واهمال كل الحديث عن ضررها.