ما أن يحل صباح يوم العيد في قطاع غزة، حتى تجثوا الأحزان فوق ملامح الكثير من المكلومين والمصابين، لتبعثر ما تبقى من فرح مصطنع، في مشهد يحمل بين طياته ذكريات مؤلمة بأمنيات ألا يأتي هذا العيد.

فالعيد هذا العام له شكل وطابع خاص فهو مناسبة تسير ببطيء شديد كالسلحفاء وتمر ثقيلة كالجبال على رؤوس،  الكثير من العائلات فهي لا تدري كيف تستقبل العيد؟ فالاحتلال لم يبقِ لها شيئا من الفرح، بعد أن خطف من جسدها أطرافاً لا تُقدر بثمن، خلال مسيرة العودة الكبرى التي استخدم فيها أسلحة محرمة دولياً.

عائلة قديح التي تقطن في مدينة خانيوس جنوب قطاع غزة، كان لها نصيب من الحزن الذي خيم على بيتهم بعد أن فقد الشقيقين صهيب قديح (32 عاماً) وشقيقته نزيهة قديح (37 عاماً) أطراف أقدامهم خلال مسيرة العودة على حدود قطاع غزة.

وتحدث مراسلنا، مع والدة صهيب ونزيهة، واستطردت حديثها بكلمات تخنقها العبرات، وقالت "هذا عيد حزين، هذا أصعب عيد سيمر عليا في حياتي ولا أتخيل كيف سأعايد أبنائي وهم بلا أقدام إنه عيد مؤلم وقاسي".

 وتقول والدتهم، والدمع يسيل على وجنتيها لما أصاب نجليها، "العيد لم يعد له طعم ولا لون وإصابة صهيب ونزيهة ما زالت تلقي بظلالها على حياتنا، والحزن لم يفارقنا على الرغم من محاولاتنا الكثيرة للتأقلم مع بتر أقدامهم".

"لا أعرف كيف سأستقبل هذا العيد، الحزن يخيم علينا، والألم يعتصر قلبي ولم يعد هناك شعور بالفرح الذي سرقه قناصة الاحتلال من نجلي برصاصات متفجرة، أدخلت إلى قلوبنا الحزن والهم" قالت والدتهم.

وتستذكر والدتهم، كيف كانت تحتضن صهيب ونزيهة خلال الأعياد الماضية بلا عكازات وبفرح، واستطردت بالقول "أما هذا العيد سأحتضنهم ولكن الفرح لم يعد له وجود في حياتنا بعد ما أصابهما".

ورغم الألم الذي يخيم على عائلة قديح ويعتصر قلبها، إلا أن والدتهم قالت "الحمد لله على كل الحال صابرين، هذا العيد يختلف عن كل الأعياد السابقة، لا أعلم كيف سأعايدهم وهم مبتوري الأقدام".

ويتزامن حلول عيد الفطر لهذا العام مع مسيرات العودة الكبرى وكسر الحصار التي تشهدها المناطق الشرقية الحدودية للقطاع، والتي أدت لاستشهاد العشرات وإصابة الآلاف، الأمر الذي يحرم هذه العوائل من بهجة استقبال العيد.

أما نجلها، الشاب صهيب قديح (32 عاماً) له زوجتين أنجب منهما ستة من الأبناء، لم يستطع أن يُعبر عن شعوره في إستقبال عيد الفطر المبارك، وذلك بعد أن فقد أحد أطرافه السفلية خلال مسيرة العودة الكبرى على حدود غزة.

وبوضح صهيب خلال حديثه لمراسلنا، أنه أصيب بعيار ناري متفجر أدى لتهتكات شديدة في قدمه اليمنى وإصابات من الشظايا بقدمه الأخرى، عندما كان يحاول مساعدة فتاة مصابة في منطقة المواجهات شرق خان يونس، فباغتته رصاصة قناص إسرائيلية.

خيم الصمت على أجواء الحديث للحظات، فيما كان يشير صهيب لساقه، وقال: "بعد 9 أيام أبلغني الأطباء بأنهم مضطرون لبتر ساقي أعلى الركبة؛ خشية امتداد الالتهابات إلى باقي جسدي، لم يكن أمامي خيار سوى الموافقة، بتروها كما ترى رغم الألم والمرار، والحمد لله على كل حال".

وعبّر بحروف الوجع عن مشاعر الحزن التي سيطرت على قلبه قائلاً "والدتي والميت واحد جسد بلا روح، أخي استشهد منذ سنوات وشقيقتي الأخرى بترت قدمها، ولدي شقيقة أخرى أصيبت أيضاً خلال السنوات الماضية برصاص الاحتلال".

وفيما إذا كان بتر طرف قدم صهيب سيشكل عائقاً في زيارة أقاربه خلال العيد، قال صهيب وهو وحيد والديه "كنت في السابق أصل رحمي وعماتي وشقيقاتي، أما بعد الإصابة فلا أستطيع التحرك بحرية كما السابق وأقضي غالبية وقتي داخل المنزل".

وبشأن استخدام العكازين وفيما إذا كانت هناك صعوبة بالغة في ذلك، قال صهيب "أعمل من أجل التعود على استخدام العكازين ومع الوقت يصبح الأمر اعتيادي، إلا أن المشي لمسافات طويلة على العكازين أشعر بألم شديد في يدي بسبب الضغط".

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، فإن نحو 4453 إصابة برصاص القناصة الإسرائيليين، من أصل أكثر من 13 ألف شخص أصيبوا خلال مسيرات "العودة"، كانت في الأطراف السفلية.

وتعرض نحو 32 مصابا لحالات بتر في أطرافهم، فيما يعاني حوالي 330 شخصا إصابات "خطيرة" بحاجة إلى تدخلات طبية عاجلة، بحسب الوزارة.

أما شقيقته، نزيهة عليان قديح (37 عاماً) فقد بترت هي الأخرى قدمها اليمنى من أسفل الركبة خلال مسيرة العودة على حدود قطاع غزة، وقالت لمراسلنا "حياتي أصبحت صعبة جدا بعد بتر قدمي، وقدوم العيد يجدد ألمي وحزني".

وتصف نزيهة كيف كانت تقضي العيد قبل بتر قدمها "كل عيد أذهب مع أهلي لأهنئ أقاربي بقدومه، لكني اليوم أجلس في البيت لاستقبل كل أفراد عائلتي".

وتستكمل نزيهة بصوت خافت "الاحتلال حرمني من فرحة استقبال العيد، فرحتي منقوصة لأنني فقدت أعز ما أملك".

ولم تقتصرأجواء الحزن في العيد على منزل عائلة قديح، فهناك آلاف العائلات الفلسطينية التي استوطن الحزن بيوتهم، ولكنهم صابرون وصامدون في أرضهم رغم كل الأوجاع والآلام التي يكابدوها من الاحتلال ومن ظلم ذوي القربى.