اختزلت مشاهد المواطنين الذين باتوا ليلتهم إلى جانب بوابات البنوك، حين حُدد موعد صرف الدفعات المالية" للشؤون الاجتماعية"، إضافة إلى التلهف المندفع على وجوه موظفي سلطة رام الله وحماس، وهم يترقبون إعلان صرف دفعة مالية أيضاً حقيقة الحالة المادية التي يمر بها قطاع غزة، تزامناً مع حلول عيد الفطر، إذ أفشل الوضع المادي السيء الذي يعاني منه  المواطنين في القطاع، فرحة إتمام مراسم العيد المعهودة لكل عام.

يمكن الحديث عن "العيدية" التي تقدمها العائلات لبعضها خلال زيارات اليوم الأول، أنها الجزء الأكبر من أجواء العيد، إلى جانب أيضاً التجهيزات الأخرى  كـ ملابس الأطفال والحوائج المنزلية الخاصة،  خلال الاستعدادات للعيد في الاسبوع الأخير من رمضان.

يلحظ المراقب، بوضوح حجم الحيرة التي تغطي وجوه المواطنين وهم يتحدثون عن أزمتهم التي لم يتوقعوا أبداً أن تمتد إلى هذه الدرجة، وتساؤلاتهم لبعضهم: " كيف بدنا نعديه هالعيد"، في غضون أجواء الركود التي أحاطت  بالأسواق على غير المعتاد من كل عام. إذ أدخلت الـ 50% خصومات على رواتب موظفي السطلة، القطاع في مرحلة موت سريري، وعمقت تردي الأوضاع الإقتصادية السيئة، خصوصاً  أن عصب الاقتصاد في قطاع  غزة، يقف بشكل كبير على رواتب موظفين السلطة، إلى جانب تذبذب صرف رواتب موظفي حركة حماس. 

يقول الموظف محمد دقة، الذي لم يستلم  من راتبه سوى 200 شيقل فقط بعد أن تم خصم أكثر من 50% من راتبه، إضافة إلى الإلتزامات البنكية والديون: " شو ممكن أعمل بالــ200 .. أعيد فيهن أولادي ولا خواتي ولا أمي ولا أشتري ملابس للأولاد، حسبي الله في إلي كان السبب بس".

أكثر ما يؤرق دقة، أنه اضطر إلى شراء ملابس العيد لأطفاله من "البالة"، وذلك فقط: " استجابة لالحاح أطفالي الطويل لشراء ملابس، كطقس معهود قبل كل عيد، فلم أجد أمامي إلى الملابس المستعملة، في النهاية اسمنا شرينا أواعي للولاد"، مضيفاً: " لاز نضحي بقربان العيدية، عشان نقدر نمارس المراسم الثانية على الأقل، والناس كلها بتعرف الوضع ما حد بلومنا".

في منطقة أخرى، وجد الموظف يحيى الحواجري أخيراً، من يداينه  شيقل600، للمعايدة وتجهيز بيته: " بالعافية لما لقيت مين يدايني، لأنه الوضع جداً سيء، لكن هذه عادات مش حلو نخربها، لو بدنا نتداين".

لكن، مواطنين اخرين، وجدوا طريقاً أخر غير العيدية المالية، إذ قرر علي أبو سعدة، و معه صديقه نور الريس، أن يأخذوا معهم أكياس فاكهة، وهو الحل الوحيد الذي  يمكن توفيره، بعد أن جفت جيوبهم من المال: " كيس فاكهة، أحسن ما أظل قاعد وما أروح أعيد، على اهلي" يقول أبو سعدة لـ"نبأ برس".

ويزيد عنه الريس: " هذه أول مرة، بدي أحمل فيها فاكهة، مش من عادتي أبداً، لكن مجبرين لا مخيرين، وهو حل جميل أيضاً والجميع يدرك حجم الأزمة الاقتصادية التي نمر بها".

وتفرض السلطة الفلسطينية إجراءتها ضد قطاع غزة منذ عام تقريباً من ضمنها خصم ما بين 30-50% من رواتب موظفيها في غزة دون الضفة، وتسمتر الخصومات حتى اليوم، ررغم  المطالبات  غير المتوقفة من  هيئات حقوقية وإنسانية و الفصائل الفلسطينية بعدول السلطة عن هذه الإجراءات، أمام الكارثة الحقيقية التي يعيشها القطاع، لكن رد السلطة دائماً ما يكون: " خلل فني.. أو إجراءات مؤقتة ستنتهي".