في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن مشروع إسرائيلي لتحصيل هدنة أمنية مع حركة "حماس" لمدة 15 عام في مقابل إطلاق (إسرائيل) سراح أربعين أسيراً كل شهر بناء على معاييرها، بالإضافة لمساعدتها في ترميم قطاع غزة، وفي ظل التحركات الدولية المكثفة التي تقودها الإدارة الأمريكية لبحث أزمة غزة، هدد وزير الحرب الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان مساء أمس خلال حديثه مع قادة مجالس مستوطنات الغلاف، بالانتقال لسياسة التصفية الجسدية في قطاع غزة رداً على إطلاق الطائرات الورقية من القطاع تجاه مستوطنات "غلاف غزة".

ولم يمض على تصريح ليبرمان سوى ساعات قليلة، حتى نفذ سلاح الجو الإسرائيلي، سلسلة غارات عنيفة استهدفت عدة مواقع تتبع لفصائل المقاومة في قطاع غزة، ووفقاً للمراسل العسكري للقناة الإسرائيلية العاشرة أور هيلر فإن القصف يحمل رسالة إلى حركة "حماس" مفادها بأن "الجيش لن يلاحق كل من يطلق طائرة ورقية أو بالون، إذا لم توقفوا إطلاق الطائرات الورقيه، ستخسروا ممتلكاتكم".

ورداً على القصف الإسرائيلي، أطلقت المقاومة الفلسطينية رشقات صاروخية باتجاه المستوطنات في غلاف غزة، وسمعت صفارات الإنذار تدوي فيها، وفي بيان لجيش الاحتلال قال فيه إنه هاجم 9 أهداف داخل موقعين لحركة حماس وبنية تحتية لتصنيع الأسلحة بغزة؛ وذلك رداً على إطلاق طائرات ورقية وبلالين حارقة تجاه غلاف غزة، ما يشكل تهديداً وخطراً على المستوطنين هناك" وأكد أنه مُصمم على الاستمرار في هجماته لوقف ذلك، حتى وإن كان ذلك بحاجة لاستجابة أكبر".

ووفقاً للبيان فإن جيش الاحتلال لديه القدرة الاستخباراتية والتشغيلية للضرب بقوة أكبر وبكثافة أعلى؛ محملاً حركة حماس المسؤولية عن جميع الأحداث والعواقب، في ذلك يرى المختص في الشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر، أن "تطورات فجر اليوم في غزة، تشير أن جيش الاحتلال فضل الخيار "الأقل كلفة" بنظره لمواجهة الطائرات الورقية المشتعلة، فلم يستجب لدعوات الوزراء باغتيال من يطلقها ويقف خلفها، خشية استجلاب ردود فعل فلسطينية قاسية، فيما اختار قصف أهداف للمقاومة في قلب القطاع، لإرسال رسائل تحذيرية، المقاومة ردت بدورها، في إشارة إلى أنها لن تتنازل عما تم تحقيقه في الجولة الأخيرة من سياسة "القصف بالقصف".

وتسود حالة من الضبابية في سياسة (إسرائيل) تجاه قطاع غزة، وهو ما ظهر جلياً في الخلافات التي عصفت في اجتماع المجلس الأمني الوزاري المصغر "الكابينت" مؤخراً، حيث يري المجتمعين "إبقاء رأس غزة على سطح الماء دون أن تغرق، وأنّ أي مشاريع إنسانية أو اقتصادية لغزة على المدى المتوسط أو الطويل، لا بُد أن ترتبط بعودة الجنود والمدنيين إلى إسرائيل، كشرط أساسيّ".

ويأتى التهديد الإسرائيلي بالانتقال لمرحلة الإغتيالات، بعد فشل (إسرائيل) في تطوير تكنولوجيا لمواجهة البالونات الحارقة، وفي أعقاب حالة التذمر التي تسود في أوساط صفوف المستوطنين، ومحاولة المسؤولين الإسرائيليين الربط بين مطلقي الطائرات والبالونات وبين مطلقي القذائف الصاروخية.

ويقوم شباب فلسطينيون بصناعة الطائرات الورقية من الأوراق والخيوط وبعض الأخشاب الصغيرة ويتم وضع شُعلٍ ومواد حارقة في ذيلها الذي يكون طويلاً، وبعد مسافة معينة يتم قطع الخيط الواصل بينها وبين مطلقها ومن ثم تساعد الرياح غالباً في وصولها إلى عشرات الأمتار داخل الأراضي المحتلة.

وأفردت الصحافة الإسرائيلية مساحة واسعة للحديث عن الطائرات الورقية وكيفية مواجهتها، ووفقاً لصحيفة "إسرائيل اليوم" فإن "لسان حال الجيش في موقفه من الطائرات الورقية من غزة يتلخص بعبارة "نريد الرد لكننا نخشى التصعيد"، رغم أنه قد يذهب باتجاه تنفيذ اغتيالات من الجو لكل من يطلق هذه الطائرات، بعد أن أطلق في الأيام الماضية قذائف تحذيرية وقعت على مسافة قصيرة من مطلقيها في رسائل تخويفية لم تنجح في ردعهم بعد".

فيما قال الخبير العسكري الإسرائيلي في القناة 12 روني دانييل، إن "الجيش يسير تحت محدد أساسي للمستوى السياسي مفاده عدم الوصول لمرحلة من التدهور العسكري الواسع في غزة، لكن الأوضاع الميدانية لا تساعد على ذلك، فالأرض تسخن وتشتعل مع الحرائق، ما يجعل الجيش يعتقد مع مرور الوقت بأن جولة تصعيدية أخرى كبيرة باتت في الطريق".

أما المراسل العسكري لصحيفة معاريف، تال ليف-رام، فقال إن "الأضرار الناجمة عن حرائق الطائرات الورقية في غلاف غزة خلال الأسابيع الماضية تزيد في خطورتها عن الحرائق التي اندلعت خلال حرب غزة الأخيرة الجرف الصامد 2014، حيث بلغت مساحتها 25 ألف دونم من الحقول الزراعية والمحميات الطبيعية والغابات، في حين أن مساحة الحرائق في تلك الحرب بلغت 3500 دونم، نتيجة سقوط القذائف الصاروخية المنطلقة من غزة".

ومن الواضح أن (إسرائيل) اتخذت إجراءات تصعيدية تدريجية منذ بدء اطلاق الطائرات الورقية الحارقة تجاه مستوطنات غزة، حيث بدأت في إتباع أسلوب التضخيم في الإعلام الموجه للدول الغربية خاصةً، تم انتقلت لمرحلة توجيه التهديدات والوعيد ثم قصفت مواقع للمقاومة وبعدها انتقلت لاطلاق صواريخ تحذيرية غير مباشرة على مطلقى الطائرات الورقية، وصولاً إلى استهداف مركبة فارغة من خلال طائرات الاستطلاع بزعم أنها  تتبع لأحد قادة مجموعات إطلاق الطائرات الورقية الحارقة دون وقوع إصابات

تهديد ليبرمان الذي يصفه بعض السياسيين في (إسرائيل) بـ"الثرثار"، بالانتقال لمرحلة التصفية الجسدية، يعكس حالة الفشل الإسرائيلي من التوصل لحل تكنولوجي فعال لمواجهة الطائرات الورقية، حيث شهدت الأسابيع الماضية تصريحات كثيرة لمسؤولين إسرائيليين تحدثوا فيها عن قرب التوصل لحل تكنولوجي لمواجهة الطائرات الورقية وهو ما لم تثبته الوقائع حتى اللحظة.

كما يُعيد فشل (إسرائيل) في مواجهة الطائرات الورقية إلى الأذهان مزاعم الاحتلال بأن الجيش الإسرائيلي، بمساعدة "العقل اليهودي"، توصل إلى حل يسمح بتدمير جميع أنفاق حماس العابرة للحدود إلى داخل (إسرائيل)، والسؤال كيف يمكن التوصل لحل تكنولوجي لأنفاق تقع في عمق الأرض بعشرات أو مئات الامتار بينما لا يجد حلاً لطائرات ورقية تجوب سماء حدود القطاع في وضح النهار، ولماذا يسعى الاحتلال لإسقاط العنصر البشري في مزاعمه بالكشف عن أنفاق وإخفاء الأهداف الإقتصادية لتنشيط مبيعات أسلحته لدول العالم؟.

وبشان إمكانية إنتقال (إسرائيل) لمرحلة الإغتيالات بغزة، يرى المختص في الشأن الإسرائيلي فرحان علقم أن :"إسرائيل تسعى إلى تبرير قتل المتظاهرين السلميين الذين يطلقون الطائرات الورقية تجاه المستوطنات، من خلال الدعوات أولًا إلى قتلهم، ثم تحذيرهم بصواريخ تحذيرية، معتقداً أن المرحلة المقبلة قد تشهد اغتيالًا حقيقيًا لهؤلاء الشبان، لأن إسرائيل فقط تحاول تبرير ما ستقوم به لاحقًا".

وأضاف علقم أن "إسرائيل تستعرض عبر إعلامها الخسائر التي ألمَّت بها جراء إطلاق الأطباق الورقية المشتعلة، والبالونات الحارقة، وهذا يعني إطلاع العالم على فيديوهات الحرائق، وتضخيم الخسائر المادية، حتى يقنع الرأي العام العالمي بزعم أحقية إسرائيل باستهداف هؤلاء الشبان، إلا أن رد فصائل المقاومة الذي قد يكون خارج التوقعات سيكون حاضر في حسابات إسرائيل".

ويتفق الكاتب والأسير المحرر، رأفت حمدونة مع سابقه، وقال في دراسة عن الطائرات الورقية أصدرها "مركز الأسرى للدراسات"، "إنّ على قادة الاحتلال أن يدركوا أن كل سياسات التهديد والوعيد لن تتمكّن من احتواء هذه الظاهرة والنقلة الإبداعية في المقاومة السلمية، ولن يجدوا حلاً اقتصادياً ولا سياسياً ولا عسكرياً ولا تكنولوجياً للسيطرة عليها".

ويوضح حمدونة أنه "مهما تكن القيود والحصار، فالشعوب قادرة على تخطيها، وبإرادتها الحرة تستطيع أن تقلب الموازين بأقل الإمكانات. هذه حقيقة تاريخية إنسانية"، مضيفاً أنّ "ما نراه في الحالة الفلسطينية يبشّر بنموذج فريد من المقاومة السلمية سوف تؤتي ثمارها ولو بعد حين".

فيما اعتبر الكاتب والمحلل السياسي ناصر اليافاوي :"أن التصريحات التي يُدلي بها وزراء الحكومة الإسرائيلية قد تكون مقدمة لاستهداف المتظاهرين الفلسطينيين، وبما أن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية لا تفارق سماء قطاع غزة، فهذا يعني رصد كل المجموعات التي تعد هذه الأطباق على طول الحدود الشرقية لقطاع غزة".

وخلص بالقول "الاحتلال الإسرائيلي قام قبل أيام بتقليص دخول غاز "الهيليوم"، إلى قطاع غزة بحجة استخدامه في البالونات الحارقة، وحاول أكثر من مرة صناعة طوافات تكنولوجية تستطيع قطع الطريق على هذه البالونات قبل وصولها إلى الأحراش والمزارع داخل المستوطنات الإسرائيلية، وفشلت هذه الطوافات بتحقيق ذلك، وأعتقد أن فشل التوصل لحل تكنولوجي يعني أن الخطوة المقبلة ستنتهي باستهداف الشبان".

من جهة أخرى، قال القائد السابق لفرقة غزة في الجيش الإسرائيلي، الجنرال تشيكو تامير، إنه "لا يستطيع إرسال رسائل تفاؤلية في ما يتعلق بالوضع القائم في القطاع، لأن شيئا حقيقيا لم يتغير هناك منذ الانسحاب منه قبل 13 عاما، فقط ما يتغير هو شكل التهديد الأمني، وطبيعته".

وأضاف في حوار نشرته صحيفة معاريف، أن "إسرائيل تملك القوة التي تجعلنا نصل للهدوء الكامل، لكننا بحاجة لشرعية دولية تمنحنا الغطاء اللازم لهذه العملية العسكرية، وإلا فإنها ستكون في غير صالحنا لأنها ستكبح جماحنا، والنقطة الثانية أننا لا نريد المخاطرة بحياة جنودنا".

وختم بالقول إن "مصلحتنا تكمن في توفير هدوء لمستوطني غلاف غزة، وليس تغيير النظام الحاكم في غزة، إسقاط حماس والإتيان بغيرها قرار استراتيجي ثقيل العيار، لا أظن أن لدى إسرائيل مصلحة في التورط في غزة تحت هذا العنوان".