إذا كان في مباريات كرة القدم ما يُسمى بالوقت بدل الضائع، يستطيع فيه الفريق المهزوم تسجيل هدف أو أكثر في مرمى الفريق المنتصر يُعدّل النتيجة لصالحه لم يستطع تسجيله في الوقت الأصلي للمباراة؛ فإن هذا لا يحدث في الحياة، فالحياة ليست فيها بديل للوقت الأصلي يُسمى بالوقت بدل الضائع يُمكن تسجيل الهدف فيه، فمن لا يستطيع تسجيل هدفه في الوقت الأصلي فلن يستطيع تسجيله في الوقت بدل الضائع، وإن استطاع تسجيله فرضاً فسيكون هدفاً بلا معنى أو قيمة. وهذا بالضبط ما يحدث في سوريا كملعب لمباراة أكبر يُشارك فيها لاعبون محليون وإقليميون ودوليون، فالمباراة انتهت بعد أن صفّر الحكم مُعلناً نهاية المباراة بفوز النظام والدولة السورية على ما يُسمى بالمعارضة السورية، وبالتالي فإن المعارك الحالية والمستقبلية تتم في الوقت بدل الضائع التي لن تُغيّر نتيجة الحرب أو المباراة بانتصار وفوز النظام والدولة السورية.

المعارضة السورية تلعب في الوقت بدل الضائع، بعد أن تراجعت أوهام النصر والتمكين أمام حقائق الهزيمة والانحسار، وبعد أن تراجع (المجاهدون) أمام (غير المجاهدين)، وتقهقر (الثوار) أمام (غير الثوار)، وبعد أن تقزّم هدفها من إسقاط الأسد وتغيير النظام إلى سعي كل فصيل مُسلّح إلى الحفاظ على مناطق سيطرته ونفوذه وامتيازاته أطول مدة زمنية ممكنة قبل أن يأتيه دوره بالركوب في الباصات الخضراء، وبعد أن تخلّى عن (الثورة السورية) كل داعميها ومموليها محبي الحرية ودعاة حقوق الإنسان من الأمريكان والأتراك والأعراب، الذين تركوها لمصيرها الأسود المحتوم من أجل مواصلة استنزاف الدولة السورية أكبر مدة زمنية ممكنة خدمة للمشروع الصهيوأمريكي في المنطقة العربية والإسلامية.

النهاية المأساوية لما يُسمى بالمعارضة السورية ينطبق عليها مقولة (ليس بالإمكان أفضل مما كان)، فرغم ما في هذه المقولة من سلبية تُوّظف لتبرير العجز والفشل وعدم الاجتهاد والأخذ بالأسباب والتقصير في السعي نحو الخيارات الأفضل... إلا أن هذه المقولة في هذا الموضع سليمة تماماً، فليس بالإمكان خيار آخر غير الهزيمة الحتمية، ليس بسبب العوامل الموضوعية الخارجية التي ساهمت في هزيمتها وأهمها: تدخل قوة دولية عظمى (روسيا)، وقوة إقليمية مهمة (إيران)، وقوة محلية مؤثّرة (حزب الله) لصالح الدولة السورية ونظامها الحاكم وجيشها المقاتل؛ بل بسبب العوامل الذاتية الداخلية الكامنة في المعارضة السورية نفسها.

العوامل الذاتية الداخلية الكامنة في المعارضة السورية نفسها عديدة لا يمكن حصرها ولكن من الممكن تناول أهمها وهي تفرّقها وتقاتلها فيما بينها، فرغم وجود إطار جبهوي واحد ظاهرياً هو (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية)، إلا أنها ظلت مشتتة الفصائل، ومتناقضة المشاريع، ومختلفة الولاءات، ومتنازعة المصالح، ومتضاربة الأيدلوجيات، ومتصارعة النفوذ... ولم يُعد لمعظمها علاقة بشعارات الثورة الأولى المُطالبة بالحرية والمساواة والحقوق وتداول السلطة والديمقراطية والنزاهة وغيرها، خاصة بعد سيطرة التيار السلفي الوهابي ذي الفكر السياسي المتخلف المستند على فقه الصحراء المجدب وعقيدة الفرقة الناجية الدموية وبين ما انتهت إليه الفصائل من تقتيل وتدمير ونهب واستبداد وفساد وإقصاء الآخر... فقدّمت نموذجاً بديلاً أكثر سوءاً وأحلك سواداً من نموذج الحكم الذي عابوه في النظام السوري.

ليس هذا وحسب، بل إن الثورة بمفهومها الشعبي تلاشت منذ الشهور الأولى، وابتلعتها الحرب الأهلية والإقليمية والدولية في جوفها، فالصراع الدموي في سوريا لم يُعد منذ زمن طويل بين نظام حكم محتكر للسلطة وبين شعب ثائر يُطالب بحقوقه، بل تحوّل الصراع إلى حرب أهلية بين طرفين مُسلحين كل طرف مدعوم بقوى إقليمية ودولية لها مصالح مختلفة ومتضاربة فيما بينها، والعامل الأساسي البارز فيها هو المصلحة الإسرائيلية الأمريكية في تفكيك الدولة السورية وتدمير جيشها وشرذمة شعبها، باعتبارها ركيزة لمحور المقاومة المتمسك باسترجاع الحقوق العربية في الوقت الذي انبطح فيها نواطير الكاز والغاز العرب أمام العدو زاحفين نحو التطبيع والتحالف معه، وبالطبع لا يوجد أي مبرر أخلاقي أو ثوري لانتصار معارضة مدعومة من قوى إقليمية تتنافس داخل بيت الطاعة الصهيو-أمريكي.

بعيداً عن غبار المعارك الأخيرة في الوقت بدل الضائع، وبعد أن صفّر الحكم بانتهاء الوقت الأصلي للحرب بخسارة المعارضة وفوز النظام، حذار الرجوع إلى نقطة الصفر التي انطلقت منها الحرب، والصواب هو بناء نظام سياسي جديد يحترم مكونات الشعب السوري، على أُسس الشراكة السياسية، والتعايش السلمي المجتمعي، وتداول السلطة والثروة، والمواطنة المتساوية الحقوق والواجبات، والقواسم الوطنية المشتركة بأبعادها العربية والإسلامية والإنسانية.