كثيرا مانتحرق شوقا لمعرفة الخبايا والاسرار .. ونتمنى لو ان لنا القدرة على ان نرتدي قبعة الاخفاء ونتسلل الى الغرف المغلقة وننصت بصمت الى المتحاورين والسياسيين .. لأن ديبلوماسية الغرف المغلقة هي الديبلوماسية الحقيقية .. لا المؤتمرات ولا البيانات .. ولاأبالغ ان قلت ان البيانات العلنية للقاءات هي أغطية وتمويه لأن ماقيل في الغرف المغلقة هو ضمير السياسة الذي لايقال .. فللسياسة ضمير ايضا .. ولكنه ضمير لايشبه أي ضمير .. الا ضمير الشيطان ..

وعندما سمعنا عن وصول مفاجئ لوزير الخارجية الروسي الى فلسطين المحتلة برفقة شخصية عسكرية بايعاز من الرئيس بوتين .. عرفنا ان في الغرف المغلقة سيدور حديث هام للغاية .. ولم يكن بمقدورنا الا انتظار التسريبات والتخمينات .. وبناء النتائج باتمام بعض الشيفرات التي فككنا رموزها ..

الا أن الاجتماع الخاص الروسي الاسرائيلي لم يتسرب منه الا بضع قطرات لاتروي ظمأ من يبحث عن الحقيقة في حلقه اليابس .. الى أن تدفق ماء الحقيقة من السماء عندما هاجمت صواريخ الباتريوت طائرة السوخوي السورية .. فصار كل مادار في الغرف المغلقة مفتوحا ككتاب ..

فكما هو معروف فان لافروف جاء من روسيا ليستمع الى رد النتنياهو على مبادرة روسية حيال الجولان السوري المحتل .. فـ النتنياهو ظن انه يمكن ان يبيع الجنوب السوري والمعارضة مقابل عودة الامور الى ماكانت عليه وابعاد ايران وحزب الله عن الحدود .. ولكن بوتين ذكره بحقيقة هامة ان روسيا - في بداية الفوضى في الجنوب السوري - عرضت ارسال قوات روسية بدل الاندوف لحماية خط فض الاشتباك لعام 1974 ولكن من رفض هو اسرائيل .. التي كانت تستخف بالعرض الروسي لأنها كانت على يقين ان عملاءها الاسلاميين وصلوا الى الخط وسيحمونه .. وسيصلون قريبا الى دمشق وسيحمونه من دمشق التي ستعلن نهاية زمن الرفض وبداية زمن التطبيع وأن لاحاجة لاي خطوط طالما أن المجلس الوطني المعارض تعهد بحل الجيش السوري واخراج ايران وقصم ظهر حزب الله .. وسيخرج بوتين وجيشه من بحر طرطوس بقرار من الحكم الجديد .. وستغادر ايضا "الغواصة الروسية" التي ستحمل الرئيس الاسد كما كانت المعارضة تشيع وتهذي بالتلفيقات والتبجحات ..

في رحلات نتنياهو المكوكية الأخيرة الى روسيا كان لديه هاجس واحد وكابوس يردده في نومه .. وهو عودة خط عام 1974 .. ووعده بوتين انه سينقل عرضه - على وقاحته - الى السوريين .. ولكن الرد السوري كان صادما جدا لنتنياهو .. وحسب ماقيل وتناهى الى الأسماع فان السوريين قالوا ان خط عام 1974 هو خط هنري كسينجر .. ولكن زمن كيسنجر وديبلوماسيته وخطوطه انتهت في اللحظة التي كسرت فيها اسرائيل الخط عبر جبهة النصرة وفي اللحظة الاولى التي أغارت فيها على سورية منذ سنوات .. ولذلك فان الخط مات .. ودفن .. وعظم الله أجركم .. فالحدود الآن بلا خطوط ..

ولذلك فان بوتين أخذ الرد السوري الذكي واستثمره لاحراج نتنياهو وحلبه الى آخر نقطة .. فرغم انه لاأحد يحلب كما العرب في الخليج فان اليهود يمكن حلبهم من مخاوفهم وقلقهم الوجودي .. فقد غير بوتين العرض الروسي القديم الى عرض يظهر فيه دهاؤه وتنسيقه الدقيق مع حلفائه .. فهو غير متحمس لتلبية شروط وطلبات اسرائيل .. وهو لايريد ان ينكفئ الايرانيون في سورية وهم من ساعده وسيساعده في المعركة الضخمة في المنطقة تي لم تنته تماما .. وهو يعلم ان الاسرائيليين لايريدون الانسحاب من الجولان .. ولكنه أبلغ النتن ياهو انه لايمكن اقناع السوريين والايرانيين بالعودة الى خط عام 74 وكأن لاشيء حدث خاصة ان اسرائيل هي التي خرقت الاتفاق ولابد من تقديم مغريات وثمن ما لاعادته .. فالبضاعة التي يبيعها نتن ياهو قديمة ولابد من عرض جديد .. ويبدو ان أفضل عرض يمكن لروسيا ان ترعاه هو سلة حل كاملة لكامل الجولان ولاداعي لفض الاشتباك القديم ذي الشريط الضيق الذي انتهت فاعليته ودوره .. ويبدو أن نتنياهو أراد أن يتذاكى فارسل أنه يريد معاهدة على غرار كامب ديفيد وخطوطا على غرار خطوط سيناء .. أ - ب - ج .. بحيث لايتحرك جندي سوري واحد ليتجاوز خط 100 كم شمال فلسطين المحتلة (اسرائيل) ..

ويقال - على ذمة الرواة الموثوقين - أن لافروف حمل في جيبه الرد السوري وهو كلمة واحدة فقط هي: لا .. وأعطاه للنتنياهو مع عرض روسي جديد للمساعدة بحيث تنتهي قضية الجولان بعودتها الى سورية مع ضمانات أمنية لاسرائيل .. أي سلام من دون معاهدة سلام .. ومن دون خطوط استفزازية للسيادة السورية .. لأن السوريين قالوا انهم لايريدون نسخة تجميلية عن كامب ديفيد .. فلايوجد أنور السادات في دمشق بل بشار حافظ الأسد وجيله المحارب .. وهذا امر يجب ان ياخذه الاسرائيليون في اعتبارهم اذا ارادوا التعامل مع السوريين ..

نتنياهو لم يفاجأ بالعرض الروسي بل فوجئ بالرفض السوري الذي يتحداه رغم التهديد ورغم أن الاسرائيليين يظنون أن البلاد خارجة من حرب وان السوريين لن يترددوا في قبول العرض والطلب الاسرائيلي .. والرفض السوري يعني شيئا واحدا يقرأه الاسرائيليون في رأس الأسد .. وهو انه بمجرد نهاية الحرب السورية فان الأسد يخطط لاطلاق المقاومة التي يشكلها بهدوء في الجولان .. والتي ستتحرك بلا خطوط ولاقبعات زرق .. وبدل الحزام الطيب للنصرة .. سيكون حزام حزب الله السوري وغيره .. انه كابوس اسرائيل ..

غالب الظن أن النتن ياهو أبلغنا الرسالة الجوابية السورية التي وصلته مع لافروف ولم نعد بحاجة للتسلل الى الغرف المغلقة التي جمعته بالوفد الروسي .. لانه قام برد فعل انتقامي سريع وانفعالي باسقاط الطائرة كجواب على الجواب .. فهو يحس بالحرج الشديد امام الكتل السياسية الاسرائيلية والمتشددين .. لأنه وعدهم أنه كقائد عام للربيع العربي سيطيح بجبهة الشمال السوري وحزب الله وايران من دون اطلاق رصاصة واحدة .. ولكن جبهة الشمال الآن تطبق عليه وتلتهم القميص الرقيق الذي كان يحمي اسرائيل .. قميص هنري كيسنجر الذي فصله لها عام 197