تعيش إسرائيل اليوم مرحلة جديدة من مراحل "مملكة صهيون العتيدة" فبعد سبعين سنة من الصراع مع العرب والمسلمين، يُعلن قادة الكيان الصهيوني اليوم أن دولتهم هي دولة اليهود حصراً. المنظومة الدستورية والقانونية تأسّست منذ يومها الأول على مشروع انتقالي نحو دولة صهيون.

بعد سبعين سنة لازالت إسرائيل تجمع شتات اليهود في العالم، ولازالت لم تحدّد اقليمها الجغرافي، ولم تحسم بعد الصيغة النهائية لنظامها القانوني والسياسي. في التصوّر النهائي للدولة الصهيونية تضمّ الخريطة الموعودة ما بين النيل والفرات اقليما للدولة، وشعبا من المواطنين اليهود، وحكومة ذات سيادة عالمية منقطعة النظير.

تجنّبت إسرائيل منذ تأسيسها كتابة وثيقة دستورية تبّين اقليمها الجغرافي أو طبيعة الحقوق والواجبات فيها ومفهوم الهوية والجنسية، لكن بالمقابل سنّت الدولة الاسرائيلية مجموعة من القوانين الأساسية الضرورية لتسيير الدولة ودواليبها. قانون الكنيست وآخر خاص بالحكومة وثالث لرئاسة الدولة، ورابع لعودة اليهود.

لا تعلن إسرائيل عن طبيعة الكيان وحقيقته تخوّفاً من آثار ذلك الإعلان على وجه الدولة وموقعها وسط المجتمع الدولي الذي لا تقبل منظومته القانونية حقيقة المشروع النهائي للدولة العنصرية. وبمقابل هذا لم يستطع العرب طيلة تاريخ صراعهم مع إسرائيل من إلزامها باتفاقيات حقيقية تحدّ من الرؤية الإيديولوجية لمملكة صهيون.

إتفاقيات كامب ديفيد ووادي عربة، وأوسلو وهدنة الجولان كلها فشلت، كما فشلت قبلها قرارات الأمم المتحدة من تطويق المشروع التوسّعي. عملياً لا يوجد ما يحدّد لليهود دولتهم إلا قوّتهم العسكرية وقدرتهم على تطويع المجال الحيوي لهم. القومية اليهودية كانت دوماً القومية الوحيدة المعترَف بها من طرف النظام الدستوري الفعلي في دولة الكيان.

تشدّد اليهود في أحكام قانون العودة الخاص باليهود، حيث ترفض محاكم إسرائيل إلى حدود الساعة قبول المتنصّرين طواعية من اليهود كمواطنين يهود إسرائليين، بينما تقبلهم كمواطنين إسرائيليين بجانب العرب وغيرهم.؟؟

إسرائيل تخطو اليوم خطوة مهمة بإظهار حقيقة المواطنة في الدولة، موازاة مع الإعلان عن صفقة القرن وإعلان أقوى دولة في العالم أن القدس عاصمة أبدية لهم.

طموح اسرائيل لا يحدّه وجود العرب ولا اتفاقياتهم التي أصبحت اليوم في مهبّ الريح، خصوصاً مع زيادة المطالبة داخل تل أبيب بمراجعة اتفاق أوسلو، واستبدال اتفاق وادي عربة بهضبة الأردن درعاً حامياً للدولة بدل الاتفاق مع الهاشميين.

يتوسّع نفوذ إسرائيل، وتعلن أن مواطنيها فقط هم اليهود وعاصمتها القدس، وتتأهّب بموجب صفقة القرن لبسط سيطرتها على دول الخليج قوّة حامية في مواجهة ايران لتجعل من المنطقة العربية في المرحلة القادمة منطقة نفوذ عسكري واقتصادي.

في مقابل هذا المخطّط المرحلي، يبدو أن أكثر الطروحات العربية إنسجاماً مع القانون الدولي ومع طبيعة الصراع مع إسرائيل هي تلك الطروحات التي تنكر وجود الكيان ولا تعترف به. فأمام منظومة قانونية مائعة، يتحكّم فيها قضاة لإسرائيل وأحبارها وأمام نظام دولي أعلن عن قيام الدولة في مقر الأمم المتحدة، لا يمكن أن يوجد أي قانون أو اتفاق دولي قادر اليوم على تطويق النهم اليهودي لبناء مشروع دولة مابين النهرين.

وحدهم أولئك الذين سيملكون سنداً شرعياً وقانونياً لمواجهة إسرائيل سياسياً وعسكرياً أمام العالم هم أولئك الذين لا يعترفون بوجودها. إن موقف الدول التي لم تعترف بالكيان هو المخرج الأخير للعرب إذا أرادوا  في يومٍ ما أن يستعيدوا أرضهم من دون أن يواجهوا العالم كله لحظة واحدة.

يقدّم نتانياهو اليوم نفسه كقائدٍ تاريخي لا يريد أن تمرّ أيامه من دون أن يعبر بإسرائيل نحو المرحلة الجديدة من بناء الكيان. وفي وسط ما يراه العرب "فوضى عارِمة" يتلمّس اليهود بأقدامهم المتوجّسة مرحلة جديدة من "عصرهم الذهبي" الذي لا يقلقه حكّام العرب، بقدر ما تقلقه الحركات الإجتماعية للشعوب المستضعفة، وصراعات الصين وأميركا، وتهديدات إيران  والتوجّس من الحليف المقلق في إسطنبول.

بقلم: أحمد فال السباعي - الميادن نت