على مدخل منطقة "بئر النعجة" الواقعة غرب مخيم جباليا شمال قطاع غزة، نُصبت خيمة عزاء للاستشهادي الشاب هاني المجدلاوي "24 عاما"؛ خيمة الشهيد لم يصحبها مكبرات الصوت ولا رجل الإذاعة على اعتباره عنصر أساسي لخيم الشهداء، فقط من كان حاضر الهدوء.

ما يدفع معد التقرير للكتابة عن المجدلاوي، ليس لأنه اقتحم القاعدة العسكرية البحرية لوحده، بقدر أنه غُيب عن حديث الناس وصفحاتهم على العالم الافتراضي، فالتعاطي مع قصته أو حادثته كانت معدومة لدرجة أن الصحف المحلية والمواقع الإلكترونية أخذت تفاصيل مقتله من الصحافة الإسرائيلية.

لا يمكن القول إن هاني، أصبح رقما أو شيئا هامشيا، لكن الظروف السياسية وتوقيت العملية غير متوقعة لـ لاحتلال ولا حتى للعناصر العسكرية بغزة.

حين جلس معد التقرير بين أقران وأصدقاء هاني، ترك معظم التساؤلات التي كان ينتظر إجابتها من الحوار المتقطع الذي كان يدور بينهم؛ أكثر الأشياء الصادمة أن هاني تزوج قبل 6 شهور.

الشاب نصر عز الدين، يبدو أنه جاء إلى الخيمة بعد ما انتهى من زيارة العيد، فملابسه الجديدة وعطره من نوع "هوجو" محلي الصنع، يخبر هؤلاء الشبان، أنه رأى هاني قبل يومين من الحادثة وأصرّ عليه الاستشهادي أن يصوم يوم عرفة وأن يدعو له من ثم أكد عليه هاني أنه سيزوره بعد انتهاء فترة العيد.

هاني راح هناك من الضيق يا خال؛ يقفز أحد الشبان بهذه العبارة أمام مجموعة الأصدقاء، صمت الجالسين هناك لبرهة، ليرد عليه أحدهم: "بس .. بس. ولا عمره يا زلمة، هاني طول عمره ابن عز وزلمة متدين، ولك بلاش هبل تابع منشوره الأخير على الفيس، الزلمة اختار يوم عرفة متعمد وأنت بتعرف هاني زلمة ملتزم وقنوع وراضي بقدر ربنا".

 تقول الصحافة الإسرائيلية إنه في الساعة 07:40 من صباح اليوم الأحد، كان هاني على بعد 10 – 20 مترا من السياج، وأطلق النار من مسافة قصيرة باتجاه قوات الاحتلال، وعندها رد الجنود بإطلاق النار، ما أدى إلى مقتله، فيما جرى احتجاز جثمانه.

وبهذا يصبح هاني تاسع جثمان محتجز لعام 2018، إذ تحتجز قوات الاحتلال ثمانية جثامين لفلسطينيين من غزة استشهدوا خلال مسيرات العودة السلمية، و25 جثمانًا من جميع أنحاء فلسطين منذ 2016.

مصدر رفيع في كتائب القسام ويعمل في وحدة الرصد للمناطق الغربية، كشف لنبأ برس أن المسافة التي قطعها هاني وصولا لبداية شواطئ "زيكيم" أمر غير متوقع، فالمنطقة على امتداد 2 ونصف كم مكشوفة، فيتساءل الرجل العسكري: "الأمر غريب، كيف لشخص واحد أن يقطع كل هذه المسافة دون أن تلاحظه قوات الاحتلال". مؤكدا الرجل أن هذه المنطقة من أعقد المناطق العسكرية في القطاع.

أمر آخر يكشفه هذا الرجل ويكذب الرواية الإسرائيلية: "من خلال المعلومات المتواجدة ومن خلال إحداثيات المكان، فإن هاني تقدم إلى مسافة قريبة جدا من الجنود، وأطلق النار عليهم ورمى قنبلتين، وخلال الانسحاب جرى قتله بقذيفة مدفعية من ثم أجهز عليه بصاروخ من طائرة استطلاع".

"يكمن الغموض في قصة هاني، ليس في ذهابه لوحده وبشكل فردي، بل كيف قطع هذه المسافة في المنطقة المحروقة؟! أنه أمر غريب فعلا". يسأل ويجيب القسامي

وللإشارة، منفذ عملية زييكم الفردية هو صديق الاستشهادي بشار أحمد الذي سبقه قبل أربع سنوات في عملية بطولية في ذات الموقع وتربطهم علاقة في ملاعب كرة القدم منذ مرحلة الطفولة.

جانب آخر من الحكاية، أكثر الخاسرين من هذه القصة هم من تعاملوا مع قصة هاني أنه "منتحر" أو من يفعل ذلك هو رجل مختل عقليا، لكنهم نسوا أن هاني "المفوه" كما يصفه أصدقاءه من بيئة القائد باسل الأعرج "المثقف المشتبك".

فبحسب رؤية باسل أن المثقف لا يكتفى فقط بالتنظير وترتيب الكلمات بل أيضا يجب أن يكون فعالا على أرض الميدان، فهو وجد أن العمل الفردي في ظل الوضع الراهن يحقق نتائج أبلغ مما تحققه الأحزاب، إذ أضاف شيئا جديدا لخواص المثقف المقاوم حين دعم في مقالاته ومناظراته الدعوة إلى العمل الثوري الفردي، وكان أكثر الدعاة لهذه الخطوة.

وإشارة أخرى أرسلها هاني، أنه لا يمكن لأحد وقف الأعمال الفردية، لا بتهدئة قد تعلن في الأيام المقبلة ولا قوة أمنية حدودية، لذلك على الجميع مراجعة حساب هذا الشعب بغزة قبل أي مخطط سياسي يخدم حزب بعينه.

بعيداً عن تلك الأجواء، من يقنع زوجة هاني "العروس" أن عيد الأضحى ليس هكذا؟! لا يوجد به خيم عزاء ولا بكاء أو قهر؟! من يقنعها أن حالتها استثناء وأنها ستحتضن عريسها مرة آخرى لكن لا أحد يعلم متى!.