فترت حالة التعاطي الشعبي، مع الجلبة التي صنعتها قضية الطفل  أدهم محمد أبو عنزة 13 عام، من بلدة عبسان شرق خان يونس، لكن نتاج الحكاية كان أكثر عمقاً من سطحية التعامل الإعلامي معها، وأوسع من المنحى الذي سٌحبت الحادثة إليه.

"يا عمي، إعلامنا بده تأديب وأنسنة، حتى يصدر الانسان أولاً على حزبيتهم المقيتة"، هكذا علا صوت أحد المارة، منهياً نقاش هذه القضية مع صديقه، وقد كانت عبارة ملغومة فعلاً بالمبادئ التي كشفت معظم الوسائل الاعلامية المحسوبة على الأحزاب، فقرها إليها،  حين التقطت هذه الوسائل المشكلة من طرفها السياسي بعيداً عن إنسانيتها.

مختزل الحكاية، نشر تلفزيون فلسطين، تقريراً مصوراً للطفل أبو عنزة، وقد بدت الكدمات من أثر التعذيب، تملأ جسده، وقد عنون التلفزيون التقرير بـ: " عناصر من حركة حماس، اختطفوا الطفل، إلى داخل أحد المساجد وعذبوه"، ويتحول الحدث إلى حديث الساعة، على مدى اليومين الماضيين.

لترد الجهات الرسمية في غزة على ذلك بالقول، إن القضية بدأت حين حاول الطفل أبو عنزة، الاعتداء جنسياً على طفل أخر يصغره بثلاث سنوات، في أحد مراحيض المسجد القريب من منطقة سكنهم، ويتعلم فيه الاثنان حفظ القرءان، ولمّا كشف أهل المسجد الموضوع، أخذتهم الحمى الدينية العمياء،  وضربوا الطفل أبو عنزة، بعنف وهمجية على خطأه.

الحادثة هذه، أشعلت حرباً من الردود بين الوسائل الإعلامية لطرفي الإنقسام، فحوى هذه الردود لم يقفز عن الشكل السياسي للقضية، ومحاولة كل طرف سحب البساط من تحت الطرف المقابل، وقد طغى الخلاف السياسي أولاً، على المسؤولية الإجتماعية تجاه الطفلين ضحايا القصور العقلي لمن تولى مهمة تأديبهم.

إذ حولوا طفل عانى من جموح فكري لحظي، كان من الممكن أن يمر بحالته أي طفل غيره، إلى مشكلة استدعت حد الجلد في عرف المتزميتن دينياً، وقد بدا مظهر الطفل، كانه خرج للتو من مسلخ بشري.

وعلى الناحية الثانية، هاجم الكثير من المواطنين الوسيلة التي روجت بداية للحدث، دون معرفة التفاصيل الصحيحة، وهي للمفارقة، تتجاهل الوضع المعيشي للقطاع والقضايا الأساسية التي يغرق في همومها الناس، وقد ساهمت الرواية المضادة للتقرير المصور، في التشهير بفعلة الطفل، دون أدنى اهتمام حول انعكاس هذه الحادثة على نفسية الطفل.

ولأخذها المنحى السياسي، مشى مواطنين في المسار ذاته، لكن ليس مع ما تطلع إليه الطرفان، إذ هاجموا المستوى الإعلامي الدنيء في التعامل مع قضية، حلولها وطرق معالجتها، أوسع من الزاوية الضيقة التي حشر فيها رجال المسجد الطفل بطريقة أبعد ما يكون شكلها عن التربية، وأصغر من مستوى التهليل العدائي وغير المهني الذي اتخذته الوسيلة المروجة، وعمق أزمة الطفل النفسية،  في سبيل سجال النقاط الذي يخوضه طرفي الإنقسام، الذين تجاهلا النص القانوني الخاص بالطفل وقضاياها.

إذ تنص مواد القانون الفلسطيني، الخاصة بالطفل على ما يلي:

المادة (42): 1- للطفل الحق في الحماية من أشكال العنف أو الإساءة البدنية أو المعنوية أو الجنسية أو الإهمال أو التقصير أو التشرد أو غير ذلك من أشكال إساءة المعاملة أو الإستغلال.

2- تتخذ الدولة كافة التدابير التشريعية والإدارية والإجتماعية والتربوية والوقائية اللازمة لتأمين الحق المذكور.

المادة (68): لا يجوز إخضاع أي طفل للتعذيب الجسدي أو المعنوي أو لأي نمط من أنماط العقوبة أو المعاملة القاسية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة الإنسانية.

المادة (69):

1. لكل طفل أسندت إليه تهمة الحق في معاملة تتناسب مع سنه وتحمي شرفه وكرامته وتيسر إعادة إندماجه وقيامه بدور بناء في المجتمع.

2-. تتخذ الدولة كافة التشريعات والتدابير اللازمة لتأمين ذلك الحق.

3- تعطى الأولوية للوسائل الوقائية والتربوية ويتجنب قدر الإمكان الإلتجاء إلى التوقيف الإحتياطي والعقوبات السالبة للحرية.

بعيداً عن المواد القانونية التي قفز عنها الطرفان: الذي أجج القضية و المتهم بسوء التعامل معها، كان للحادثة مشهداً أخر يخص طرفي الإنقسام، إذ عادت حالة التراشق الإعلامي على أعلى مستوياتها، تماماً كما كانت  في السنوات الماضية التي كان التنافر واستحالة التوافق سمة الطرفين، وهو ما يرجح تأويلات كثيرة بعد عودة العلاقة لمستواها الأكثر سوءاً، في غضون الحديث عن ترتيبات دولية تعالج الوضع في غزة، وكذلك الهدنة طويلة الأمد مع الاحتلال.