بعد ما كشف صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن وفد فتح غادر القاهرة بعد نقاشات حادة مع الجانب المصري بما يخص ملفي التهدئة والمصالحة، أطل عزام الأحمد، صباح الثلاثاء عضو اللجنتين التنفيذية لمنظمة التحرير والمركزية لحركة فتح، بنبرة ناعمة -على غيرعادته- :" نأمل من الأشقاء في مصر أن يطلعوا على رد حركة فتح ومستعدون لنقاش أي ملاحظات يبدونها".

 أجواء التوتر من الممكن أن تتلاشى فور الرد المصري على الورقة الفتحاوية الجديدة، علما أن هذه الأجواء جاءت بعد رفض رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس اتفاق التهدئة الذي تعمل عليه القاهرة بجانب منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف، فعباس يتشدد في ما يتعلق بالمصالحة وبشروطه المتمثلة في تسليم "حماس" قطاع غزة كاملاً ودفعة واحدة للسلطة "من الباب إلى المحراب وفوق الأرض وتحتها"، كما اشترط أن يوقع على اتفاق التهدئة وفد يمثل منظمة التحرير برئاسة عزام الأحمد، على غرار توقيع اتفاق التهدئة عام 2014، الأمر الذي رفضته حماس بجانب أنها رفضت تسليم القطاع تحت الأرض، لكنها  أبدت مرونة كبيرة في التسليم فوق الأرض فقط.

 حديث الأحمد بالأمس، يظهر أن عباس قد يتراجع عن تعنته أو فعلا تراجع عن شروطه، إذ طالب الرجل من القاهرة وعلى وجه السرعة دعوة حركتي فتح وحماس لإعلان الاتفاق ثم تدعو إليه كل الفصائل الموقعة على اتفاق المصالحة على ألا يتجاوز الفاصل الزمني بين الاجتماعين فترة أسبوع.

ما يدلل أن عباس قد يغير سلوكه، ليس مطالبة الأحمد بتسريع إعلان الاتفاق فقط، بل أن الورقة التي أرسلت للقاهرة بالأمس لا تطرح جديدا بل يستند إلى ما تم التوقيع عليه سابقا، حيث قال الأحمد لإذاعة فلسطين المحلية:" حركة فتح استندت في ردها على اتفاقي أيار 2011 و 12/10/2017 وأوضحت آليات التنفيذ مؤكدة على ضرورة الاستمرار في تنفيذ ما تم الاتفاق عليه (بندا بندا) من النقطة التي وصلنا إليها عندما توقفت الخطوات العملية في قطاع غزة بعد التفجير الذي استهدف موكب رئيس الوزراء ورئيس جهاز المخابرات العامة".

بهذا الصدد، يرى مراقبون أن هذا السلوك الجديد من فتح، يستند إلى عدة احتمالات، الأول أن السلطة قدمت رد إيجابي كتكتيك يعطها مجال للمناورة في الساحة السياسية، لضمان عدم خسارة مصر وثانيا لكي لا يتم القفز عن دور السلطة بأي حال من الأحوال، أما الاحتمال الثاني وجود ضغوطات بجانب محاولات قطرية على عباس لترويضه، فمن المعروف أن أي اتفاقية ترعاها دول إقليمية تلزم طرف فلسطيني رسمي.

المحلل السياسي طلال عوكل، يستبعد أن يكون حديث الأحمد "الناعم" ضمن تكتيك سياسي فتحاوي، رغم اعتراف الرجل أن فتح أكثر الأطراف الفلسطينية ذكاءا في البيئة السياسية الداخلية، لكنه يرجح أن موقف فتح نابع من ضغوطات إقليمية عليها وتحديدا من الإدارة الأمريكية.

 وكان قد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الجمعة الماضية، قطع مساعدات عن السلطة الفلسطينية، بقيمة 200 مليون دولار، لأسباب مجهولة.

ويتفق مع ذلك زميله المحلل السياسي ثابت العمور، لكنه يرى أن ليس الضغوطات الأمريكية وحدها من دفعت فتح لذلك، فيقول: "هناك أطراف دولية تعول على قطر بترويض محمود عباس للتقارب الشخصي بينها وبين عباس، لذلك من الممكن أن تظهر الدوحة في الجولة المقبلة من هذه الاتفاقية".

وما يعزز حديث العمور ما صرح به القيادي في حركة حماس والمقيم في لبنان أسامة حمدان حين قال:" هناك دور مصري وقطري وأممي وتركي لضمان التهدئة".

ويرى العمور أن واشنطن قفزت فعلا عن دور السلطة بقيادة "أبو مازن" وذلك لأسباب ثلاثة، أولا لتجميد علاقته مع واشنطن، ثانيا لآن الإدارة الأمريكية الإسرائيلية ترى أن عباس انتهت صلاحيته، واخيرا هناك أقطاب من السلطة هاتفت وتتواصل مع الإدارة الأمريكية للبحث من يحل خلف عباس.

لكن، المحلل السياسي عبد الستار القاسم، يستبعد لجوء فتح لهذه الصيغة من الخطاب وتغيير رأيها السياسي بفترة قصيرة جدا بسبب الضغوطات، فيقول:" الأمر الواضح أن فتح بقيادة عباس، تريد غزة "بكج" كامل أو الانفصال على قاعدة يا بتشيل يا بشيل، كما أن فتح ماهرة جدا بالهروب من أي استحقاقات وطنية، وأثبتت ذلك في تعاملها مع الاتفاقيات السابقة والتي كانت اخرها في 2017".

على كل حال هذا السلوك الفتحاوي ستتضح أسبابه في الأيام القليلة المقبلة، لكن ثمة شيء يترك مساحة كبيرة للتساؤل؛ بعد مهاجمة حسين الشيخ عضو اللجنة المركزية لحماس حين وصف أن مباحثاتها بخصوص التهدئة هي "جزء من صفقة القرن"، خرج الأحمد بعد 13 ساعة تقريبا بتصريحات مناقضة لزميله يقول:" التهدئة عمل وطني مائة بالمائة لكنه ليس مهمة حماس ولا فتح ولا الشعبية". وللإشارة هذه أول مرة تتناقض قيادات فتح بهذا الحد بما يخص حماس، خاصة في هذه المرحلة السياسية الحساسة.