منذ 18 عاما، يحاول الستيني فريد الأفندي ابن قطاع غزة المقيم حاليا في رام الله بالضفة المحتلة، بشكل شبه يومي إيجاد طريقة مقنعة للمنظومة الأمنية الإسرائيلية، لكي يتمكن من العودة إلى القطاع، ليلتم شمله مع عائلته التي افترق عنها منذ انتفاضة الحجارة.

 بدأت رحلة التشتت للأفندي، منذ زواجه بالسيدة عزيزة عطية بنت قرية "خربثا المصباح" التي أحبها خلال فترة عمله هناك.

كالعادة، عاشت عزيزة كغيرها من النساء الغزيات، وقد أنجبت  خمسة أطفال، بعد 6 سنوات من العيش في القطاع، أصرّت "الزوجة الضيفة" للسفر إلى الضفة المحتلة  لزيارة أهلها في تلك القرية البسيطة.

ولظروف بوابة معبر بيت حانون/ إيرز/ شمال قطاع غزة، اصطحبت الأم عزيزة  ثلاثة من أطفالها  تاركة طفلين عند والدهم ترعاهما جدتهم المسنة.

بعد شهر من زيارة عزيزة لعائلتها، حاولت مرة أخرى العودة لغزة ليلتم شملها مع عائلته الصغيرة وتحتضن باقي أطفالها، لكن للأسف ولظروف الاحتلال، باءت جميع محاولات الأم الصغيرة بالفشل، إذ وصلت محاولتها لعشرين مرة خلال فترة ثلاث شهور.

على اثر ذلك، همّ زوجها فريد للسفر إلى الضفة المحتلة، تاركا طفليه عند الجدة لكي يجد طريقة ليصطحب الزوجة بباقي الأطفال والعودة إلى القطاع.

 ترك الأفندي، عمله مؤقتا، وتمكن من الوصول إلى قرية زوجته، لم يكن يعلم الرجل أن هذا " لم الشمل المؤقت" سيكون مقدمة لرحلة معاناة ستمتد لسنوات طويلة.

يقول الرجل لمعدة التقرير:" لو كنت بعرف أنه راح يصير هيك، ما رحت، وبقيت أن أحاول مع زوجتي طرقا مغايرة لدخول غزة، لكن للأسف بدل ما أنا واقع في مشكلة صرت واقع في عدة مشاكل".

  جمع الرجل حقائبه وجهز أوراق زوجته وأخذ أطفاله، لكنه صدُم أن لن يعود لغزة بسبب الرفض التام له عبر بوابة "ايرز"، لتبقى عائلته الصغيرة مفتتة، وأبرز ضحاياها  الطفلين وائل وسمية.

 مرت الأيام، عاش الابنان مع جدتهما "رقية" يشدهم الحنين إلى والديهما وإخوتهم حيث تمسكت الجدة بهما محاولة أن تطفئ نار شوقها بوجود أبناء ولدها الغائب عنها بينها.

حين دخلا طفلا الأفندي مرحلة البلوغ، حاول الوالد أكثر من مرة أن يصحطب وائل وسمية إلى الضفة المحتلة، وكان قد مبالغ مالية كبيرة، ونجح بذلك فعلا بعد أكثر من 15 محاولة.

تقول الأم عزيزة :"  لا يمكن وصف شعور أن ينقسم أطفالك عنك، رغم ان ما يفصلك عنهم بضع كيلومترات، إسرائيل تحاول تمزيقنا، تحاول أن تحرق قلوبنا نحن النساء الفلسطينيات".

 من المؤسف حقا، إن إسرائيل حاولت وتحاول وستحاول قتل الفلسطينيين على الأصعد كافة، فملف  تمزيق امتداد العائلات الصغيرة والكبيرة التي يتبعه الاحتلال هو جديد قديم، تتخذه إسرائيل وسيلة ضغط على الفلسطينيين ولمآرب سياسية آخرى، بالاضافة انها تستغل معبر ايرزعلى حرمان المرضى من السفرعبره ، وحرمان أهل غزة تحديدا من السفر إلى القدس المحتلة منذ اندلاع الانتفاضة الثانية.

 مؤخرا كان قد قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن من شأن قانون القومية، يمنع لم الشمل لآلاف العائلات الفلسطينية؛ ويشار إلى أن الكنيست بدأ منذ العام 2003، سن قانون طوارئ لمنع شمل آلاف العائلات الفلسطينية، التي أحد الوالدين فيها من الضفة وقطاع غزة. وهذا أدى الى تمزيق آلاف العائلات الفلسطينية، وبشكل خاص وكبير في القدس المحتلة.

كما يقر الكنيست سنويا، تمديد سريان القانون لعام آخر، نظرا لكونه يتعارض مع حقوق الانسان. ولكن يُفهم الآن من تصريحات نتنياهو أن حكومته ستعمل على تحويل قانون منع لم شمل العائلات، إلى قانون ثابت، يستند الى "قانون القومية"، الذي أخذ صفة "قانون دستوري".

الوداع الرمادي

عودة لعائلة الافندي، بعدما نجح الأب فريد بلم عائلته الصغيرة مرة، دخل الرجل في صراع آخر، في بداية 2001  مرضت الجدة رقية، كانت الأم تود أن تلقى النظرة الأخيرة على ابنها  وحفيديها  اللذين عاشا معها أجمل اللحظات، لكن دون جدوى.

 حاول الأفندي الذي كان يعمل في الخياطة، جاهدا لتلبية دعوة والدته المريضة، وبعد عدة أشهر لم ييأس فريد وابنه وائل، بل قدما بكل أسف شهادة وفاة مزيفة لأمه التي ما زالت وقتها على سرير المرض.

هذه الحركة الاستباقية، لم تكن ناجحة تماما، إذ رفض الاحتلال طلب الوالد وسمح لابنه وائل زيارة قطاع غزة لثلاثة أيام، يوم الزيارة ويوم المغادرة، لتكون فترة الزيارة الفعلية يوم واحد فقط.

حين دق وائل بوابة بيت جدته الواقع في حي الشيخ رضوان، الذي اعتاد على ترحيبها فور وصوله إليه، وجدها  تنتظره على نعش الموت تنتظره ليقبلها قبل موارتها التراب.

 يقول وائل:" فور وصولي، كانت جدتي فارقت الحياة، قبلتها وهمست في أذنها وصية والدي الذي كان مشتاقآ ليشتم رائحتها".

على كل حال، لم يبق لفريد سوى الهاتف ومواقع التواصل الاجتماعي، لتحسس أحوال عائلته في غزة، واقتنع  الرجل أن حكايته مع " محبوبته" عزيزة قصة قصيرة تروي جزءآ بسيطآ لمئات القصص التي دفعت ضريبة الحب داخل وطن ممزق.