لم تفكر الفصائل الفلسطينية كثيراً في جملة علامات الاستفهام التي أحاطت بالقبول الأمريكي الإسرائيلي المفاجئ لتخفيف الحصار عن قطاع غزة، المترافق مع هدنة تستمر لخمسة سنوات على الأقل، قفز المحللون السياسيون عن الثمن المنطقي المطلوب من الفلسطينيين دفعه، واعتقدوا جميعاً أن ما فشلت خمسين يوماً من حرب العام 2014 بـ تحقيقه، بتحصيل ميناء بحري ومطار للقطاع، يمكن للمسيرات السلمية على الحدود أن تنجزه بأثمان بشرية محدودة.

مسيرات العودة التي بدأت في 30/3 ذكرى الـ42 ليوم الأرض، وجُيّرت من قبل حركة حماس لإحداث خرق في جدار الحصار المضروب على القطاع منذ اثنتي عشرة عاماً، والذي زادت حدته مع الإجراءات العقابية التي تضاعفت عبر فشل مباحثات المصالحة إبان التفجير الذي استهدف موكب رئيس الوزراء رامي الحمد الله في مارس / آذار الماضي،  المسيرات تصاعد زخمها في 14/5 بالتزامن مع ذكرى النكبة الذي اختارته الإدارة الأمريكية يوماً فارقاً تم فيه رسمياً نقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى القدس.

حَسِب الفلسطينيون في غزة أن الزخم الذي تركه هذا الفعل الشعبي كان كافياً بعد أن أضيفت عليه وسائل ضاغطة –ضخمها الإعلام العبري- كالبالونات الحارقة واختراق الحدود، بأن تكسر الحصار ويحقق لـ حماس انتصاراً نظيفاً على كلٍ من (إسرائيل) والرئيس محمود عباس، بالفكاك من كماشة الحصار المستمر من عقد من الزمان، والإجراءات العقابية والابتزازية من السلطة التي ترافقت مع مباحثات المصالحة.

الحلقة المفقودة في مباحثات التهدئة الأخيرة التي انتهت جولاتها عقب عيد الأضحى، تمثلت في عدم منطقية السخاء الإسرائيلي المدفوع أمريكياً، والمترافق مع مشهد كبير من الجدية، تمثل في أن تقبل (إسرائيل) دخول أعضاء المكتب السياسي لحركة حماس كافة بما فيهم الشيخ صالح العاروري إلى غزة، لعقد اجتماعات مكثفة للبت بمصير التهدئة الوشيكة، التي لن تطلب (إسرائيل) ثمناً لها سوى: وقف إطلاق البالونات الحارقة ومظاهر الاستفزاز على الحدود مع غزة.

هذا المطلب الذي تكرر على لسان الوسيط المصري والقطري وعلى لسان المبعوث الأممي لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولا ملادينوف، أصاب رماده العيون لأبعد مدى، حتى ظن المحللون السياسيون، فضلاً عن خطباء المساجد وقادة الفصائل والتنظيمات، بأن كياناً عسكرياً كإسرائيل يخوض حروباً إقليمية في سوريا ولبنان، وحتى في كردستان العراق ونيجريا، وتَصل أذرع أجهزة مخابراته إلى كل نقاط الاشتباك، يمكن أن يقدم تنازلاً لم يقدمه في حرب استمرت 50 يومياً وقٌتل له فيها العشرات من الجنود وقُصفت مستوطناته بمئات الصواريخ، أمام وسيلة شعبية متواضعة التأثير كالبالونات الحارقة !

الأمر كان يبدو مثيراً للسخرية أكثر، حينما لاحظ المتابعون للإعلام العبري، قدر الضخ "المكذوب" والتضخيم لتأثير هذه البالونات على الحياة اليومية في المستوطنات، في مقابل أن أسلحة استراتيجية تتزود بها الجبهة الشمالية – لبنان وسوريا – لم تحظَ بربع هذه التغطية والتضخيم الإعلامي، يمكن لمترجمي الأخبار العبرية أن يلاحظوا الفارق بين تكرار الحديث عن منظومة الصواريخ الإيرانية (فاتح 110) التي تمتلك لبنان الآلاف منها، ومنظومة (ياخونت) الروسية البحرية، وبين البلالين الحارقة، التي قدمها الإعلام العبري لـ حماس، كسلاح اكثر خطورة من صواريخ (سكاد) الباليسية !

 

اليوم توقفت مباحثات التهدئة في القاهرة رسيماً، وعادت الأمور إلى نقطة الصفر، ودلل على ذلك، مستوى الانفعال الذي احاط باللغة الخطابية لقائد حماس في غزة يحيى السنوار خلال لقائه بالشباب والكتاب المحللين السياسيين خلال اليومين الماضيين! ما الحكاية لِمَ عادت الأمور إلى نقطة الصفر ؟

الحكاية ببساطة، هي ان الإدارة الأمريكية التي قابل "عباس" سلوكها العدواني تجاه القضية الفلسطينية بتصريحات ومواقف عظيمة وجريئة ظاهرياً، بدأت باكتشافه بأن واشنطن ليست وسيطاً نزيهاً للسلام، وعزم السلطة بعدم العودة مطلقاً للمفاوضات تحت المظلة الأمريكية، قوبلت هذه الخطوات، بأن أشهر البيت الأبيض "عصا غزة"  في وجه "الرئيس" .

جملة الاشتراطات التي أطلقتها السلطة منذ الإعلان عن صفقة القرن ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، قوبلت بعملية ابتزاز كبيرة لـ "عباس" عبر الإعلان العملي عن عزم "واشنطن" توقيع تهدئة مع حماس تتضمن منحها منفذاً بحرياً ومظاهر سيادة، في مقابل التوقيع على هدنة تمتد من 5 إلى 10 سنوات، دون المطالبة بأثمان سياسية!

السلطة التي حرقت كل سفنها مع "غزة" لم تجد وسيلة لمواجهة التوجه الحمساوي المدّعم بمواقف عدد من الفصائل، إلا بجملة من التصريحات الإعلامية التي (تاجرت) بالشعارات الوطنية وبجملة من التخوين وادّعاء التمسك بالمقاومة؛ وأيضاً، التلويح بحزمة جديدة من الإجراءات العقابية، قبل أن تختصر على نفسها الطريق، وترسل رسالة إلى البيت الأبيض، تخبر فيها بقبول العودة إلى المباحثات دون الاشتراطات المعلنة  (وقف صفقة القرن، الغاء نقل السفارة، الابقاء على ملف اللاجئين) سقف السلطة انخفض فقط إلى المطالبة بوقف التدخلات التي يقوم بها مستشار ترامب وصهره، جاريد كوشنر، والموفد الخاص للمفاوضات الدولية جيسون غرينبلات، في قطاع غزة، أمّا مبرر الإذعان الجديد إلى الإدارة الأمريكية، الذي ساقه "عباس" في اجتماع اللجنة المركزية الأخير، هو أن إبرام تهدئة في غزة، سيفقد المنظمة سمة "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني"، فضلاً عن أن التصلب المبالغ فيه من السلطة، سيدفع الاحتلال إلى إنهاء وجودها لصالح تكوين سبعة إدارات محلية في الضفة !

مسرحية الابتزاز الأمريكي للسلطة الفلسطينية انتهت، بإعادة ملف غزة إلى "الدرج"، وطي ورقة التهدئة والكيان الموازي لمنظمة التحرير الذي كان يمكن أن ينشأ بقيادة حركة حماس، مقابل عودة اللقاءات السرية بين السلطة الإدارة الأمريكية، التي بدأت فعلياً بلقاءات جرت خلال الأسبوع الماضي في واشنطن ورام الله، إذ عُقد لقاء بين وفد من الاستخبارات الفلسطينية بقيادة رئيسها ماجد فرج مع وكالة الاستخبارات الأميركية، عقب لقاء مماثل عقد نهاية أيار/ مايو الماضي بين فرج ووزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو.

فضلاً عن زيارة وفد أمني أميركي للضفة المحلتة  مطلع الأسبوع الجاري كما نقلت صحيفة (إسرائيل اليوم) العبرية.

أما في غزة، فتتكفل الدعوات المكثفة للمشاركة في مسيرات العودة الكبرى، التي استحدثت لها عدد من النقاط الجديدة، بالإجابة عن مستوى التأزم الذي وصلت إليه الفصائل الفلسطينية في التعاطي مع الواقع المأزوم، إذ لا شيء يلأ اليد الفارغة من الخيارات، سوى الدم، الذي تجد الفصائل أن إراقته في مسيرات العودة أقل كلفة منها في الحرب بكثير.