كان إعلان القاهرة بوقف مناقشات التهدئة، صادماً لغزة، إذ جاء القول،  بعد الجولات المكوكية والتصريحات المتفائلة، التي كانت إشارة  بأن الاتفاق بين الاحتلال والمقاومة بات وشيكاً،  لكن المشهد  الأن انقلب تماماً، الاسبوع الماضي حمل تصريحات حادة لحركة حماس وكذلك لجيش الاحتلال، كما وحشدت اللجنة الوطنية لمسيرات العودة، بشكل أكبر من الأيام التي تزامنت مع مناقشات التهدئة. 

وأخيراً أعلنت  اللجنة عن استحداث مخيم جديد لأول مرة على ساحل غزة شمالي القطاع، وليس بعيدًا عن شاطئ "زيكيم"، وهو نقطة جديدة لتجمهرالمشاركين ضمن مسيرات العودة إضافة إلى الخمس مخيمات الممتدة على طول الخط الفاصل،  وهي خطوة تعني معاودة إحياء زخم مسيرات العودة. 

وكانت  الإذاعة العبرية، قد نقلت عن مصادر أمنية إسرائيلية، أن الحكومة الإسرائيلية  قلقة من تصاعد المواجهات على حدود قطاع غزة، بعد توقف التهدئة.


كما وزعمت الإذاعة، أن "حماس" وجّهت عناصرها المنتشرين على طول الحدود، بإخلاء مواقعهم والابتعاد عنها بضع عشرات من الأمتار، وعدم تفتيش السيارات التي تُقل المتظاهرين باتجاه الحدود، هذا الأمر يمكن أن يكون واراداً، إذ إزدادت البلالين الحارقة يوم أمس، وكذلك ألقى عدد من المتظاهرين قنابل يدوية على جنود الاحتلال قرب السياج، وهو ما لم يحدث خلال الاسبوع الماضي. 

وكانت الحالة التحشيدية لمسيرات العوة خلال الأسبوعين الماضيين، قد فترت إلى حد ما، وهو ما اعتبر خلال تلك الفترة، مقدمات حسن نية، أمام جهود إقرار التهدئة. 


صباح اليوم، قال قائد المنطقة الجنوبية  "ايال زامير" : لا يمكن تحسين وضع غزة، دون زيادة قوة حماس، لذلك وخلال هذه التعقيدات التي تلف المشهد، لا أعتقد أنه سيكون هناك هدوء حتى فترة من الزمن يجب أن لا نخدع أنفسنا هناك مكان يعج "بالإرهاب" وبناء القدرات العسكرية" فيما قال أيضاً رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، "هرتسي هليف ": الجيش جاهز ومستعد جيداً  أعدائنا فى الجنوب والشمال يبذلون جهداً كبيرا لعدم الوصول لمواجهة معنا، حماس تعرف قوتنا، وإذا حاولت إختبارنا فنحن على جاهزيه عاليه جداً".

مراقبون قالوا، إن حركة حماس، وبعد فشل جهود التهدئة، تتمسك بأخر ورقة في يدها وهي مسيرات العودة، لكن هذه الطريق أيضاً مجهولة المطاف، ولا يعرف إلى أين ستقود القطاع، فكل مؤشرات جولات القصف السابقة  حاضرة الأن، وهي ما يمكن أن تصعد الميدان.

المختص بالِشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر قال: " الخيارات الأخرى أمام غزة صعبة جداً، وقد تسعى غزة في قادم الأيام للمفاضلة بين خير الخيرين وشر الشرين، وإن كانت البدائل القاسية والمكلفة تلوح في الأفق، لكن المقاومة مدعوة بكثير من رباطة الجأش لعدم الذهاب بعيدا فيها، لاعتبارات كثيرة، أهمها أننا جربناها سابقا، ولم تأتِ لنا بحلول سحرية، مما يعني صعوبة المهمة أمامها، وباتت في وضع لا تحسد عليه، بعد أن تخلى عنها القريب والبعيد". 

وأضاف أبو عامر في مقال له: " شهدت الأيام الماضية مواقف سياسية في الساحة الإسرائيلية بدا كما لو أنها تنحو منحى اليمين في التعامل مع صيغة التهدئة التي قطعت شوطا طويلا مع حماس وفصائل المقاومة، بين مشترط لأن تشمل تبادل الأسرى، ورافض لإعطاء حماس جائزة في منحها استراحة محارب لعدة سنوات، ومتحفظ على تجاوز "الشريك الأمني" في الضفة الغربية، ومتريث بانتظار ما قد تشهده أروقة الأمم المتحدة من انعقاد قمة فلسطينية أمريكية، ما زال الحديث بشأنها تشوبه كثير من الضبابية. 

فالحاصل فعليًّا أن إسرائيل بعد أن كسبت من الفلسطينيين، قضاء الإجازة الصيفية لمستوطنيها، دون مواجهات أو حروب، لن تألو جهدا في شراء مزيد من الوقت معهم، لا سيما مع وسيط مصري لا يبدي كثيرا من الاهتمام بالكارثة الإنسانية المتحققة في غزة، بعد أن تم إقصاء حامل الحقيبة المالية في قطر عن التقدم بمشاريع إغاثية وإنسانية من قبل السلطة الفلسطينية. 

فيما يرى المحلل السياسي حسام الدجني، أن  مسيرات  العودة، التي بدأت التحشيد إليها بزخم، عقب توقف الحديث عن التهدئة، ليست الورقة الأخيرة في يد حركة حماس، وأن  التصعيد العسكري، خيار حاضر وبقوة،  والمقاومة أكدت أنها قادرة على إحداث ارباك في سياسيات الاحتلال". 

ويقول الدجني:  إن إسرائيل تحاول خلال هذه الفترة التي حاولت فيها إبداء رفضها للتهدئة وأنها ليست مضطرة إليها،  بأن تستغل الوضع لخلط ملفي التهدئة وتبادل الأسرى، الذين ترفض الحركة دمجهم،  ولذلك أعيد تفعيل وضع المسيرات وزادت حالة التحشيد لها، وهي بالتأكيد لن تلازم الدهر وستحقق أهدافها، خصوصاً أن التهدئة لم تفشل كلياً، فلازالت الطرف المصري والأممي نفسها متمسكة بها. 

غير أن مراقبون قالوا عن اعتبار التصعيد  العسكري ورقة قوة: " إن  هذه الورقة، استخدمت في حرب 2014، ولم تؤت ثمارها، ولم تلزم الأطراف بتنفيذ جملة ما جرى الاتفاق عليه، وقياساً بعام  2014،  يعيش  القطاع وضعاً أكثر صعوبة،  لذلك يبدو المشهد في طريقه إلى التعقيد أكثر من كون  السلاح حله".