انتهت  الجمعة الـ25  من مسيرات العودة وكسر الحصار، وقد   سميت الهيئة العليا لمسيرات العودة التجمع المقبل "جمعة كسر الحصار"، فيما  بقي الوضع  منذ أن انطلقت المسيرات وحتى اليوم على جموده مع الإنحدار رويداً رويداً نحو المنحى الكارثي.

بعد توقف  مناقشات التهدئة، صعّدت اللجنة الوطنية مستوى التحشيد للمسيرات، إذ سجل يوم أمس، الأكثر حضوراً منذ  14 أيار الماضي، بما يقارب الـ12 ألف مشارك، في المقابل، كان الرد الإسرائيلي أيضاً قاسياً، 3 شهداء أحدهم طفل وما يزيد عن 200 إصابة.

إلى جانب ذلك، لم تعد تمر جمعة منذ مطلع شهر سبتمبر/أيلول، دون أن تسجل مدفعية الاحتلال، استهدافاً جديداً لنقاط رصد المقاومة، رداً على ما يسميه  الاحتلال "العنف على الحدود"،  واستمرار هذه الحال، سيزيد عاجلاً أم آجلاً من حدة  الاستفزازات الحاصلة بين المقاومة والاحتلال، ما يعني إن حصل استهدافاً وأوقع شهداء من عناصر المقاومة، سيستدعي رداً من المقاومة،  قد يأخذ الوضع إلى ميدان آخر،  في ظل الاحتقان الموجود و إنعدام وسائل الحل الأخرى.

مراقبون قالوا، إن الاحتلال قلق جداً من حالة الارباك التي يعيشها على الحدود، فقد فشل حتى اللحظة في إختيار أداة الردع المناسبة، وأن أكثر ما يؤذي حكومة الاحتلال، أن الوضع الذي يخلقه القطاع، يرافق  حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة كاملة، بالتالي إن فشل التعامل مع القطاع، سيقود حتماً  في النهاية إلى ما لا يريده وهي الحرب".

 

لكن وسط هذه  الدوامة، تعرضت حكومة الاحتلال إلى ما يشبه الصدمة، حين ذكرت صحيفة "هآرتس العبرية" صباح أمس، أن مفوض شكاوى الجنود في الجيش الإسرائيلي "يتسحاق بريك"، دعا إلى فتح لجنة تحقيق من خارج الجيش، برئاسة قاض متقاعد من المحكمة العليا،  لتدقيق في مدى جهوزية الجيش للحرب.

ووفقاً لهآرتس فإن بريك أعد وثيقة وبعثها مؤخرا، إلى وزير الأمن الإسرائيلي "أفيغدور ليبرمان"، ورئيس أركان الجيش "غادي آيزنكوت"، وضباط برتبة لواء وأعضاء لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست.

وذكرت الصحيفة أن دعوة بريك لتشكيل لجنة تحقيق، تأتي على خلفية الخلاف بين الوثيقة التي أعدها وبين قيادة الجيش الإسرائيلي، في أعقاب تقرير أصدره آيزنكوت، في بداية شهر أيلول/سبتمبر الحالي، وقال فيه إن الجيش الإسرائيلي جاهز بمستوى عالٍ للحرب. لكن تقرير آيزنكوت جاء مناقضا لوثيقة بريك، التي قال فيها إن الجيش ليس جاهزا للحرب.

هذه الدعوة العاجلة التي قدمها بريك، شكلت صعقة لقادة جيش الاحتلال، إذ كيف يمر الجيش بحالة كهذه في خضم الأزمات المعقدة التي تعيشها المنطقة؟ و بالقدر الذي فاجأت فيه هذه الدعوة حكومة الاحتلال، حركت أيضاً آراء مراقبون   وقدموا تحليلاً معكوساً لما بنوا عليه سابقاً، إذ قدروا، أن كشف معلومات كهذه، تجعل وقوع  الاحتلال في حرب أمراً لا يبشر بخير.

المعلومات المسربة، افتعلت سجال علني مع قيادة الجيش التي أعلن رئيس أركانها غادي إيزنكوت قبل أيام بأن الجيش جاهز لأي مهمة تلقى عليه من قبل المستوى السياسي.

ما يعني أيضاً، أن ظهور هذا التباين إلى العلن،  مؤشر على أن ما خرج منه ليس إلا القشرة الخارجية من واقع أكثر خطورة مما بدا حتى الآن. كما يقول الصحافي المختص بالشؤون الإسرائيلية علي حيدر، مضيفاً:  ومما يعزز هذا التقدير، أن الوثيقة التي وزعها مفوض شكاوى الجنود على القيادتين السياسية والعسكرية ولجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، وبلغت نحو 200 صفحة، بقيت سرية في معظمها، كما أشارت صحيفة هآرتس، وفي هذه الحالة تعود سريتها لتجنب المزيد من الفضائح وانكشاف نقاط ضعف المؤسسة العسكرية، التي قد يستفيد منها أعداء إسرائيل".

يضيف حيدر في مقاله الذي كتبه في جريدة الأخبار اللبنانية: " ليس من المبالغة، وصف السجال الحاد المتواصل حول جاهزية القوات البرية، أنه من أخطر التحديات التي تواجه المؤسسة الإسرائيلية بكافة عناوينها، لأنه يتصل مباشرة بدورها الوظيفي الموكل إليها غربياً وأميركياً في المنطقة، وبمستقبل "أمنها القومي"، وقدرة ردعها الاستراتيجي. وفي ضوئها تتخذ القيادة السياسية خياراتها وقراراتها الاستراتيجية، واستناداً لها، تقدم المؤسسة العسكرية توصياتها العملياتية أمام المستوى السياسي. وبالتالي فإن التسليم بعدم جاهزية سلاح البر، أو على الأقل غموضها، يربك القيادتين السياسية والأمنية في تل أبيب، وتتحول إلى قيد يُكبِّل صناع القرار عن الكثير من الخيارات العملياتية، بمواجهة التحديات التي تنطوي عليها تطورات البيئة الإقليمية بشكل عام، والساحة السورية بشكل خاص".

ومن أهم المفاعيل الفورية لهذا السجال العلني، حضور مستوى الجاهزية المتدني للقوات البرية، لدى أعداء إسرائيل، على مستوى الرؤية والتقدير والخيارات التي قد ينتهجها، خصوصاً أن جاهزية جيش العدو تحضر في أي تقدير وضع استراتيجي للمنطقة ولكيان العدو.

في المقابل، يكمل حيدر: "ينبغي القول أن قياس جاهزية جيش العدو، وفي هذه الحالة سلاح البر تحديداً، لا تتم بمعزل عن جاهزية وقدرات الأطراف المقابلة، الكمية والنوعية. وبالتالي فإن منطلق أي فهم صحيح لهذا التراجع في تقييم الجاهزية الإسرائيلية، وعلى خط مواز، ينبغي القول أن لكل مستوى من العمليات جاهزية تتناسب معها. لذلك فإن الحديث عن عدم جاهزية جيش العدو لا يلغي قدراته التدميرية، ولا قدرته على خوض مواجهات عسكرية دون الحرب الشاملة، وإنما يتم التشكيك بجاهزيته لخوض حرب واسعة، قادر على الانتصار بها".

ويخلص مراقبون إلى أن كشف مثل هذه المعلومات الأن،  تجعل تردد الاحتلال في الدخول إلى حرب أعلى من معدل الموافقة عليها، إذ أن معايير النصر والهزيمة يشكلها الجيش بناء على تقديرات قادة الاحتلال،  وظهور مثل هذه التقديرات، تعني ضرورة الابتعاد عن الحرب الأن.