كتب الأستاذ أكرم عطالله مقالاً ناقش فيه الجدل حول الانسحاب من قطاع غزة بعنوان:"الانسحاب من غزة مشروع إسرائيلي أم مشروع المقاومة..؟" تبنى فيه أنه "مشروع إسرائيلي" وأنه ضمن "سياسات تم تصميمها منذ عقود"، معتبرًا أن أصحاب هذا الرأي هم من "يقرأ بالنتائج ويراقب عمل مؤسسة السياسة ومراكز الدراسات".

"ومن يراجع التاريخ يعرف أن غزة قد شكلت عبئاً على إسرائيل، أرادت التخلص منه قبل أن تبدأ الفصائل رحلة الكفاح المسلح".. هكذا يكتب الأستاذ أكرم عطالله بكل بساطة، ولكنه لا يفسر لنا لماذا تأخر هذا الانسحاب الإسرائيلي أربعة عقود؟ لماذا لم تقم إسرائيل بالانسحاب منذ اللحظة التي شعرت فيها بعبء غزة؟ 

ما لا يعرفه الكثيرون أن الخطة الأولى التي تبنتها إسرائيل بخصوص قطاع غزة كانت خطة الضم. نعم، ضم قطاع غزة كاملاً لإسرائيل، مع تسليم نصف الضفة الغربية إلى الأردن (20% من هذه المنطقة التي أرادت إسرائيل تسليمها إلى الأردن يُجمع كل الإسرائيليين على ضمها اليوم، وهي تمثل المنطقة التي تضم غالب المستوطنات)، وذلك ضمن خطة آلون، التي اعتمدت ضمنياً، وهذا الرأي كان رأي بن غوريون مؤسس الدولة العبرية أيضاً. غيّر آلون خطته لاحقاً، ودعا لضم الجزء الجنوبي من قطاع غزة فقط. 

في إصدار "الدولة الفلسطينية"  الذي أصدره مركز جافي، سلف مركز دراسات الأمن القومي، وفي السيناريو الذي تحدث عن الانسحاب من قطاع غزة، تم رفض فكرة الانسحاب الكلي من القطاع، وقد أصر مصمم السيناريو على ضم كتلة قطيف (التي تسيطر على ربع الساحل الغزي)، ومنع تفكيكها. وحتى في خطة كامب ديفيد 2000 رفض باراك تفكيك المستوطنات، وخصوصاً غوش قطيف. بمعنى أن الحديث عن رغبة العدو في الخروج منها لم تتبلور إلا بعد رفع المقاومة لكلفة الاحتلال، فمن الواضح أن لا أحد استعد لتفكيك كل المستوطنات قبل عام 2003م.

"لقد عرضت إسرائيل غزة على مصر منذ كامب ديفيد وعرضته على الحاج رشاد الشوا رحمه الله"، وهذه العبارة من أعجب العجب في الحقيقة.. ما عرضته إسرائيل في كامب ديفيد الأولى كان حكماً ذاتياً، ولم تكن الحكومة الإسرائيلية متشجعة له، كما أنها قد كثفت استيطانها في القطاع خلال هذه الفترة والفترة التالية، ولم يكن ثمة تفكير داخل الحكومة اليمينية بالانسحاب من القطاع.. أما عرض غزة وتفكيك مستوطناتها على الحاج رشاد الشوا، فعلى السيد عطالله أن يتحفنا بوثيقة تثبت ذلك، ولن يجد.

"ولكن الأهم أن إسرائيل خططت للانسحاب قبل أن يحدث بثلاثة عقود"، من الضروري مناقشة هذه العبارة لأنها تكشف خطأ فظيعاً وقع فيه السيد عطالله، والسؤال هنا "أي إسرائيل التي قررت ذلك"؟ 
 إن طرح مركز أبحاث ما سيناريو الانفصال عن غزة  عام 1989ضمن عدة سيناريوهات  - حتى لو تم ترجيحه، وهو ما لم يحدث – لا يعني أن ذلك السيناريو بات "سياسة" إسرائيل، فمراكز الأبحاث في إسرائيل ليست طرفاً مقرراً أو حاسماً، هي طرف يساعد في اتخاذ القرارات، عبر عرض بضاعتها على النخبة السياسية، والحاكمة منها خصوصاً، وهذه النخبة الحاكمة قد تشتري وقد لا تشتري.

في عام 1989 لم يكن حتى رابين مقتنعاً بضرورة الانفصال، وقد ترسخت قناعته أواسط عام 1992 فقط، وكان أول تصريح له بخصوص ذلك عقب عملية في نتساريم، أما شارون فقد ظل يعتبر فكرة الانفصال فكرة "تافهة" حتى عام 2002م. وقد كان الرجل في عام 1989 تحديداً أهم شخصية في ثلاثي الهجوم على شامير، الذي كان قد نشر مبادرة سياسية في ذلك الوقت. أما أولمرت، الليكودي الجابوتنسكي القادم من لاعام، الذي خلف شارون في رئاسة حزب كاديما، حزب خطتي الانفصال والانطواء، فقد كان عام 1989 شخصاً شديد الإيمان بمبدأ أرض إسرائيل الكبرى.

السؤال الذي ينبغي طرحه، كيف اقتنع هؤلاء لاحقاً بضرورة الانسحاب؟ كيف تحول "نبي الاستيطان" من اعتبار الفصل فكرة "تافهة" إلى فكرة يتوجب تنفيذها؟ كيف تحول المؤمن العميق بمبدأ أرض إسرائيل إلى صاحب الخطة الأكثر تخلياً عن أراضي الضفة الغربية في تاريخ الدولة العبرية؟

ما يدل على بؤس هذا الاستدلال أن مركز أبحاث الأمن القومي ذاته، كان قد نشر في الفترة الماضية خطة انسحاب، قدر أنه من الضروري تبنيها، تقوم على تقسيم مناطق "c" في الضفة الغربية إلى قسمين، قسم يتم الانسحاب منه ويتم تسميته ب "d"، ويتم تسليمه للسلطة، ويشكل نحو 25% من مساحة الضفة الغربية.

 هل يمكن اعتبار هذه الخطة خطة "إسرائيل"؟ هل سمع أحد –عدا المختصين- بهذه الخطة؟ هل اهتم بها أحد؟ هل سيقوم اليمين الحاكم بتنفيذها؟ بالتأكيد لا في هذا الوقت. طيب، ماذا لو تم تنفيذها بعد بضع سنوات بعد ضغط فلسطيني عبر المقاومة الشعبية والمسلحة، هل سيتم اعتبار هذا الانسحاب خطة إسرائيلية قديمة أيضاً؟

خلاصة ما أود قوله هنا، أن إسرائيل التي يتحدث عنها السيد عطالله هي إسرائيل متخيلة، صاحبة استراتيجيات موحدة مقرة منذ زمن بعيد، ولا تتغير بتغير الحكومات، فيما الواقع غير ذلك. مراكز الأبحاث ليست مجلساً مقرراً يحسم قرارات الدولة العبرية، وإنما جهات تقدم ما لديها، ويؤخذ منها ويرد، أما إذا كان الأستاذ عطالله يعرف مجلسًا شبيهًا بمجلس "حكماء صهيون" المخترَع، يقر الخطط الكبرى، ويمليها على النظام السياسي في إسرائيل، فليخبرنا عنه، وسنكون له من الشاكرين.