وهو ما يُفسِّر الدفاع المُستميت عنه والتمسّك به واعتباره إنجازاً وطنياً، ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أن حال القضية الفلسطينية ستكون أفضل بكثير من دون هذا الاتفاق بعد مرور 25 عاماً على التوقيع عليه، وتكفى الإشارة هنا إلى أن المواجهة كانت مباشرة بين الاحتلال والشعب الفلسطيني ، وكان الأول يتحمّل المسؤولية الكاملة عن كل ما يرتكبه من جرائم ، في حين خلق «أوسلو» جسماً وسيطاً إسمه السلطة الفلسطينية بين الاحتلال والشعب الفلسطيني ، ويبدو للوهلة الأولى أن السلطة تتحمّل مسؤولياتها الكاملة عن حياة الشعب الفلسطيني، ولكن تبيّن العكس ليُزاح عبء الاحتلال عن إسرائيل وينتقل إلى السلطة.

الأخطر في التداعيات الكارثية لـ"أوسلو" التقسيم الجغرافي للأراضي التي احتُلّت عام 1967 إلى "أ" و"ب" و"ج" وفصل غزّة عن الضفة المحتلة والقدس عن غزّة والضفة ، فأضحت هناك خمس تكتلات سكانية فلسطينية تخضع لأنظمةٍ احتلاليةٍ مختلفةٍ عن الأخرى، ما سهَّل على الحكومات الإسرائيلية التعامُل المختلف لكل منطقة وفق ما يخدم مصالحها ورؤيتها الاستراتيجية في إنهاء القضية الفلسطينية، فمنطقة «أ» التي تشكّل 18% من مساحة الضفة وتشمل المدن الفلسطينية السبع وبعض البلدات المُحيطة بها تخضع للسيطرة الإدارية والأمنية الفلسطينية ، ويمنع دخول جيش الاحتلال إليها إلا أن الاجتياحات والتوغّلات فيها باتت شبه يومية ، فيما منطقة «ب» التي تشكّل 21% تخضع لسيطرة السلطة الإدارية ، فيما أمنياً يتحكّم الاحتلال فيها ويستبيحها ويُقيم فيها الحواجز والنقاط العسكرية، أما منطقة «ج» التي تبلغ 61% من مساحة الضفة فتخضع لسيطرة الاحتلال إدارياً وأمنياً ولا يُسمّح للفلسطينيين بأيّ بناءٍ أو نشاطٍ اقتصادي إلا بإذنٍ من الإدارة المدنية التي ترفض طلبات ترخيص البناء وإنشاء بنى اقتصادية، ودمّرت كل المشاريع التي جرت إقامتها بتمويلٍ أوروبي ما خلق هجرة من الريف إلى المدن وأتاح بناء استيطانياً واسعاً في الكتل الاستيطانية الكبرى فيها ، وارتفاع عدد المستوطنين إلى نصف مليون بحيث تجاوز عددهم السكان الفلسطينيين واستفرد الاحتلال بالقدس استيطاناً ومصادرة وهدماً للمنازل وسيطرة عليها ، واستباحة للمسجد الأقصى وأغلقت شرطة الاحتلال كل المؤسّسات الفلسطينية ذات العلاقة مع السلطة في شرقي القدس.

لم تقتصر مفاعيل «أوسلو» الكارثية على فلسطين المحتلة بل تعدّته إلى المشهد العربي والدولي، فقد أزال الحاجز النفسي في التعامُل مع "إسرائيل" وهمّش قضية الاحتلال ، وأقدمت الدول التي قطعت علاقاتها مع الاحتلال بعد حرب 1967 أو التي ليس لها علاقات معها لتضامنها مع الشعب الفلسطيني ونضاله ضد الاحتلال على إقامة علاقات مع إسرائيل وبلغ عددها 90 دولة ، وعقدت خمسة مؤتمرات اقتصادية اقليمية في عواصم شاركت فيها إسرائيل التي تمتّعت بازدهارٍ اقتصادي غير مسبوق ونمو وصل إلى 7.5% استفادت منه في استيعاب المهاجرين من دول الاتحاد السوفياتي المُتفكّك ، وأقامت مكاتب مصالح تجارية في قطر والإمارات العربية والبحرين والمغرب وعُمان، وهكذا جنت إسرائيل منافع «أوسلو» من دون أن تدفع بالمقابل أيّ ثمن ، وأبقت على احتلالها وتحكّمها بالشعب الفلسطيني ورفع الشعار العربي المشؤوم لن نرفض ما يقبل به الفلسطينيون أو نكون ملكيين أكثر من الملك لتبرير الانفتاح والتطبيع مع الاحتلال.

نتائج «أوسلو» كارثية ولا حَصْر لها وهي تركت أثراً استراتيجياً كبيراً أضرّ بالشعب الفلسطيني وقضيته ، إذ أراح الاحتلال بوجود السلطة الفلسطينية وأفرز واقعاً سياسياً واجتماعياً واقتصادياً لا تجرؤ السلطة على الفكاك منه ، رغم إعلاناتها الإيجابية في هذا الاتجاه اكثر من مرة وأعطى لإسرائيل أوراق قوّة وضغط كبيرة وظّفتها لمُمارسة الابتزاز السياسي بتحكّمها في أموال المقاصّة ، وسيطرتها على الحدود وتوغّلاتها اليومية في قلب مناطق السلطة ، وعدا عن ذلك أورث «أوسلو» الانقسام في المشهد الفلسطيني وولَّد كل التداعيات الموجودة اليوم بتحوّل السلطة في رام الله إلى عامل ضغط على غزّة، وبذلك فإننا نقف أمام مشهد غير مسبوق تمرّ به القضية الفلسطينية وأريحيّة كبيرة للاحتلال والولايات المتحدة ، تجرّأ في سياقه نتنياهو وترامب على المسّ بجوهر الحقوق الفلسطينية على غِرار القدس واللاجئين وتشريع قوانين عنصرية تستبيح الأرض والإنسان الفلسطيني.
لا خيار آخر أمام الفكاك من المشهد الأوسلوي سوى باستدراكٍ حقيقي للخطر القائم تنتج منه إعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية ، وتشكيل قيادة تضع رؤية استراتيجية مع آليات لمواجهة الأخطار القائمة المتولّدة عن أوسلو ومن دون ذلك فإن المُخطّط الأميركي _ الإسرائيلي الهادِف لتصفية القضية سيكون حاضراً بقوّة في الشهور القادمة.

بقلم: عامر خليل - الميادين نت