لم يمر اسبوعاً على إغلاق الإدارة الأمريكية، مكتب منظمة التحرير في واشنطن، حتى ألحقته مساء الـ16 من سبتمبر/أيلول الجاري، بإجراء ضغط آخر، وطردت سفير السلطة في واشطن، إضافة إلى تجميد الحسابات المالية التي تتبع للمنظمة.

هذه الخطوة التي وصفتها المنظمة بالانتقامية، صبت مزيداً من الزيت على النار المشتعلة في العلاقة بين السلطة الفلسطينية وواشنطن، وذلك لموقفها الرافض لصفقة القرن، كما تقول السلطة. 

لكن بعيداً عن مشهد العلاقة بين السلطة وواشنطن، هنالك وجه خفي برز بشكل خفيف قبل شهور، وعاود الظهور بسرعة إبان تسعر الخلاف بين السلطة والإدارة الأمريكية، انه رجل الأعمال الفلسطيني عدنان مجلي الذي يوصف بـ نقطة التحول الجديدة في مسار الرؤية الفلسطينية، التي تجهد أطراف دولية نفسها لترسيخ صاحبها في المكان الذي يحضر إليه، إذ كشفت معلومات، أن الرجل طلب من الملياردير الفلسطيني فاروق الشامي، مالك المبنى الذي يحتضن مقر المنظمة، استئجار المبنى وافتتاحه مقراً للكونغرس الفلسطيني، مشروعه الذي يصعد حجراً بعد آخر.  

العودة إلى البداية، كان ظهور مجلي سياسياً، بشكل واضح، منتصف عام 2017 الماضي، الذي شهد ولازال ظرفاً سياسياً فلسطينياً ودولياً مرتبك، وكان مفاجئاً، إذ لم يسمع من قبل عن الرجل، إلا أنه رجل أعمال يعيش في أمريكا لها شركاته المصنعة للأدوية، وطرفاً ضمن المنظمة الاقتصادية الأمريكية، وله علاقاته مع صناع القرار الأمريكي.

إذ يربط مجلي بأوساط القرار الأمريكي علاقة جيدة، وهو  المعروف بأول من رتّب الاتّصال الأوّل بين الرئيسين الأميركيّ دونالد ترامب والفلسطينيّ محمود عبّاس في آذار/مارس من عام 2017.

إلى أن استدعته الإدارة الأمريكية، بمثابة ورقة جديدة، وخرج مجلي في مظهر مطعون بالكثير من التساؤلات الفلسطينية، إذ في لحظة تحول الرجل إلى إضافة سياسية جديدة للمشهد، وقد رتب زيارة للرئيس محمود عباس، الذي كان يعيش أيضاً أزمة في العلاقة مع واشنطن، ثم تحرك الرجل عبر معبر "إيرز" إلى غزة، واجتمع بـرئيس المكتب السياسي لحركة حماس  إسماعيل هنية، وخلال هذه الجولة، بدأت ملامح المشروع السياسي  الذي يحمله مجلي، تتبدى لحظة بعد أخرى.

هذا الظهور لمجلي الذي رافق، تصدع العلاقة بين الرئيس وواشنطن، وصفه مراقبون أنذاك بالقول: " إن  هناك، من يعد عدة تسييد الرجل على  القرار الفلسطيني". 

وخلال هذه الجولة، أطلق مجلّي مبادرة سياسيّة للإنقاذ الوطنيّ في أواخر حزيران/يونيو تتضمّن عودة السلطة الفلسطينيّة لإدارة قطاع غزّة ورفع الحصار عنه، وإعادة بناء النظام السياسيّ الفلسطيني ّودخول "حماس" إلى منظّمة التحرير.

لكن التحليل الذي قدمه مراقبو المشهد، أن مبادرة مجلي، تقترح إبعاد سلاح المقاومة الفلسطينية عن مربع الحديث، مقابل الوعود التحسينية التي ستأتي لقاء ذلك.  

إلى هذه النقطة، كان ملخص ظهور مجلي الذي قدم طرحه بعلانية، وخلال مطلع شهر سبتمبر/أيلول الجاري، أعلن مجلي عن تأسيس "الكونغرس الفلسطيني" أو المجلس الفلسطيني العالمي، من ولاية نورث كارولاينا الامريكية التي يقيم فيها.

وقال مجلي، إن الهدف من المجلس او "الكونغرس"، هو توحيد طاقات الشعب الفلسطيني في الشتات لخدمة مصالحهم في تلك البلدان، وبناء جسور قوية مع الوطن، وإن عضوية المجلس ستكون مفتوحة لكل فلسطيني، وسيعقد المؤتمر التأسيسي للمجلس قريباً.

موازنة المجلس الذي أعلن عنه مجلي، بلغت وفق ما قاله "تريليون دولار" بالمشاركة مع رجال أعمال آخرين، وهي ميزانية فلكية، أمام ما تعانيه السلطة الفلسطينية من تضييقات وعقوبات أمريكية، إضافة إلى أزمات الأونروا أيضاً التي تهدد سير عملها.

قبل هذا الإعلان، عرضت الإدارة الأمريكية، على مجلي إنشاء مؤسسة لرعاية اللاجئين الفلسطينيين، مقابل مبالغ تقدمها الإدارة الأمريكية، بحسب قول المحلل السياسي ثابت العمور، لكن رد الرجل على المبادرة كان، بأن هذا الراتب الذي سيتقاضاه مقابل إنشاء هذه المؤسسة، يستطيع تحصيله في يوم واحد، نظراً لأنه صاحب شركات كبرى.

تلاشى مجلي عن المشهد بعد ذلك، ثم ظهر معلناً أنه بصدد افتتاح الكونغرس الفلسطيني العالمي، الذي سيمثل الجاليات الفلسطينية في الخارج.

هذه الخطوات تتزامن مع الأزمات الحادة التي تمر بها السلطة والأونروا، علماً أن مجلي لم يقدم أي مبادرة لرأب الصدع بين حركتي فتح وحماس، أو تحريك عملية السلام، والمبادرة الوحيدة التي طرحها بشكل مباشر هي ضرورة تشكيل حكومة وطنية بسلاح واحد.

وأمام انتظار الكشف عن موعد مؤتمر الكونغرس الفلسطيني، تشتعل تحركات مجلي بشكل خفي، فيما يجلس الرئيس محمود عباس، في سكون مراقباً سير الحدث، دون تعقيب إلا على قرار إغلاق مكتب المنظمة.

وفقاً لحديث مراقبون، إن عباس يجلس بهذه الحالة لأنه لا يملك أية قدرة فعلية حقيقية يجابه فيها القرار والرغبة الأمريكية، فقد أضحى مكبلاً تحت مزاج الإدارة الأمريكية، التي يبدو أنها تمشي الهوينى في طريق إزاحته تماماً عن واجهة الشراكة.

يحمل مجلي، الذي يعيش في أميركا وتعايش مع بيئتها، مشروعها السياسي الجديد على الطريقة الناعمة، بحسب قول العمور، الذي أوضح، إن طبيعة إختيار مجلي رأساً للمشروع، تنطلق من فكرة أن الإدراك تشكله البيئة المحيطة، فالرجل  لا يجد خطراً في الرؤية الأمريكية المقدمة للفلسطينيين.

وأردف العمور: " صراع التمثيل والشرعية  بين فتح وحماس لم يعد الوحيد، ويخفي خلفه هياكل جديدة دخلت ستبدأ من واشنطن، فذريعة تسلل مجلي إلى مالك مبنى المنظمة في واشنطن، وطلب منه أجار المبنى، حتى لا يتنكس علم فلسطين عنه، ليس لها تفسيراً أخر، إذ الأولى وطنياً لو كان الفعل وطني، أن يضغط هو والجالية الفلسطينية لفتح مقر المنظمة بدل المحاولات التي لا تشير إلا إلى  محاولة خلق بديل لها".