مات خيري منصور بصمت هكذا كعادة الكتاب والشعراء الذين يملؤون الدنيا ضجيجاً على صفحات الجرائد ولكنهم ينسحبون بهدوء كأنهم يكتبون آخر سطر في المقال أو آخر مقطع في قصيدة تترك للقارئ قدراً من التأمل أو التسكين حسب الواقع الذي يراه الكاتب لكن ابن قرية دير الغصون الذي انولد على أبواب نكبة وتجهر للحياة في دراسته الجامعية على نكسة فسار مثقلاً بهزيمتين ومنفى وقلم.

لكن نزيف الهزائم لم يتوقف من فم القلم المثلوم والجسد العربي الذي ظل يبحث عن ملاذ يخفي فيه طعنات أدمته حد الموت ليتساءل بمرارة الملدوغ "كيف يمكن أن نفهم أن أكثر من ثلث مليار عربي هزموا عدة مرات خلال ستة عقود أمام عدو لازال سبعة ملايين؟ بحيث تكون حصة الفرد من الأعداء خمسين أو ستين عربياً من مختلف الشرائح بينهم أطباء ومهندسون ووزراء دفاع ومتعهدو أوسمة انتصارات في ذروة الهزائم".

لكنه كان يعرف أن المسألة ليست بذلك التسطيح الذي اعتاد عليه الخطاب العربي الذي تحول الى طبل أجوف حجب كل أسئلة الواقع بمرارته التي كانت تقطر من أسطر نافذته في جريدة الدستور الأردنية في عموده الفقير والغني بلغة نادرة تمكنت من فض الاشتباك بين الواقع والأسطورة لأن رحلة الفلسطيني الى المنفى كانت تشبه أسطورة بنيلوب التي كتبها بلغته التي تنقلت برشاقة بين أزمنة لم تفصل بينها علامات ترميم أو توقف لأن تتالي الهزائم العربية كان صادماً لكل من حمل القلم ولم يتوقف خيري منصور عن رثاء أمة تقطعت بها السبل وأصيبت بالظمأ وسط الصحراء.

كان أكثر الكتاب بوحاً وقهراً من أمة لم يعد لديها ما تفعله سوى تخليد الماضي وذبح الحاضر بالتخلف الذي تصر عليه جهات وأنظمة بل تستثمر فيه لصالحها لأن التقدم يعني غياب أنظمة وغياب أحزاب وتيارات ، كان ينحت في صخر الكلمات مدركاً أنه يعيش زمناً بلا أبطال ولا أساطير بل زمن معشب بالاصفرار بلا كثير من الأمل فلا تصفيق بلا أيدي ولا طيران بلا أجنحة في أزمنة رمادية طالت كثيراً أو يبدو أنها تأبدت على مساحة الجغرافيا العربية.

أمس صدرت جريدة الدستور يتيمة من مقال خيري منصور كما كل هوائنا وفضائنا الذي ينسل منه كبار الكتاب والشعراء الذين يغادرون تباعاً بلا توقف ليملأه غيرهم من الذين دجنتهم الأنظمة لنرى ظلالها في مقالات وقصائد لا تتوقف عن التزلف والمديح لأبطال الأوسمة بلا معارك واذا كان المغادرون من محمود درويش ودحبور ومنصور قد خبروا هزائم من الأعداء فان الأجيال التي تجلس على مقاعدهم هم نتاج هزيمة التهام الذات التي أصبحت سمة عربية في أوطان لم تنتج سوى الحرائق وأنهار الدم.

ظل خيري يكتب بلا توقف مقالاً يومياً بذلك العمق الثقافي المدهش يستل من ذاكرة غنية جابت العالم على الورق والروايات حكايات تحاكم في كل مقالة عالم لم يفعل سوى عد الزمن انتظاراً للقيامة كان يكتب في ذاكرة تفيض عن القلم لكنه لم يكمل فصولها الأربع أو أعتقد أن اللحظة توقفت عند خريفها وتساقطت أوراقها فظل يستدعي من الأسطورة محاولاً تفسير الواقع وهنا كانت عبقرية خيري منصور الذي استطاع أن يعقد الواقع  على الأسطورة بلغة يشتبك فيها جمال اللغة ومرارة الفكرة لغة الأسطورة وتَحقق الواقع.

مات حفيد اللغة التي تأسطرت على امتداد مقالاته وهو يحاول أن يركب للعالم العربي أجنحة لكنه كان يعرف أن وطأة الواقع كانت أقوى كثيراً من تسلق الأحلام وأن تسلل الاحباط من بين حراس حدود الجغرافيا العربية سيصل الى فوهة قلمه،  مات بالتأكيد مهموماً لأمة في حالة قتال دائم مع تقدم الزمن والحداثة وقتال دائم مع نفسها أمة تحول مدنها الى ركام لتحتفل بالنصر.

فقدنا واحداً من أعمدة الصحافة العربية والفلسطينية والأردنية وهو الذي ينتمي لكل هؤلاء بمرارة وبجدارة لن نقرأ لخيري منصور بعد الآن عن البؤس والصحراء والتاريخ المصلوب والقلم الذي كان يعتقد أنه أقوى من الأنظمة مات دون أن يكتب شكل النهاية لصخرة سيزيف وهي تتدحرج لأن زيوس الذي يتمدد في الجغرافيا العربية أكثر غضباً من مثيله اليوناني القديم.

واذا كان خيري منصور قد قدم رثاءاً مطولاً في كتاباته للواقع العربي علينا أن نكتب له مرثية الحزن على فراقه وخسارتنا الكبيرة بذلك الفقد .... لقد ذهب ليروي لسبارتاكوس أن العرب لازالوا يقبعون على أبواب مرحلته هكذا قال لنا الكاتب قبل الخريف ... وداعاً خيري منصور ...أو كما قال موريس شيفالييه الى اللقاء..!!!