كان الصديقان، محمد أبو عيطة و يحيى النيرب، يتناقشان شأن الوقود القطري الذي دخل لغزة، وهي القضية التي تشغل ألسنة  الناس في غزة منذ يوم أمس، إلى أن طرح أبو عيطة فجأة سؤالاً وقد حزم ملامحه"هو ليه الفراق أسهل من الوصال"، ليرد النيرب، وهو يحاول إشعال سيجارته: " لأنه مدهون بسولار قطري"، فانفجرت ضحكة الاثنان، و بصوت متقطع قال أبو عيطة: " والله ما توقعت تلتقطها مني" – قاصداً النكتة.

لليوم الثاني، لم يخرج تعاطي المواطنين مع الخطوة القطرية - الدولية، عن نسق "كوميديا المعاناة" التي عرف بها أهل غزة.  الحوار السريع للنيرب وأبو عيطة، هو حالة شعبية عامة، يكفي التجول في الشارع أو على صفحات التواصل الإجتماعي،  لملاحظتها، فالأخبار التي رافقت إدخال الوقود، لم تطبع في أذهان أهل غزة إلا التوجس من القادم وعبارة: " الله يستر".

يظهر الحدث، وبعيداً عن كوميديا تهميش المعاناة، التي تبرز كلما  اقتربت غزة من حافة تحول جديد، مفارقة جديدة حاضرة.

ولتوضيح ذلك، يجب العودة خطوات زمنية إلى الوراء، وبالتحديد إلى مرات دخول الوقود مصري إلى محطة الكهرباء في غزة، ومحطات الوقود التجارية، كان يُعبر شعبياً عن هذه الخطوة، أنها بادرة تحسن قادم لغزة وتدعيم للمصالحة الداخلية بين طرفي الإنقسام.

لا تذكر، مخططات الإنفصال أو الشعور بالمضي قدماً في المشروع الأمريكي الإسرائيلي، المعد للقضية الفلسطينية، لكن هذا الموقف سرعان ما ينقلب رأساً على عقب، عند سماع، خبر دخول، منحة وقود قطري إلى غزة، وكان يوم أمس برهنة لذلك.

هي مفارقة، عامل الاشتراك الوحيد فيها، الوقود، لكنه قسمان بحسب البوابة التي تمرره، الأول مدفوع الثمن، يقدم إلى غزة كحلاً إنسانياً، والآخر يوهب لغزة ممهداً الطريق لمستقبلها النهائي، وهذه المقارنة الشعبية الوهمية، قائمة دون وعي حقيقي.

فالبوابات التي تمرر الوقود إلى غزة، مأمورة أصلاً من أمريكا واحدة، لكن القاعدة التي ترتكز عليها أمريكا في المفاضلة بين البوابتين، هي من يملك المال أكثر، لذلك صنعت لعبة تبديل الأدوار.

لهذا قدم مبعوث الرئيس الأمريكي للشرق الأوسط جيسون غرينبلات التقدير لقطر أولاً ثم مصر، خلال تغريدة له على "تويتر": "تقدر الولايات المتحدة جهود الأمم المتحدة وقطر ومصر وإسرائيل لتخفيف الوضع الإنساني في غزة لتحقيق هدف وقف إطلاق نار دائم".

الحقيقة التي يجب قولها، أمام العبارة الشعبية الحديثة "سولار إنفصالي و سولار وحدوي"، أن غزة التي لا تجد دوائها، ويهرع إليها المانحين بالوقود، تجلس بين بوابتين يحملان إليها مستقبلها المجهول، كرم أبو سالم الذي ارتبط ذكره بـ"قطر"، ورفح الذي يعني "مصر"، وكلا البوابتين يهجرهما الخير، وأن المغزى الوحيد من لعبة تبديل الأدوار، هي تخييرأهل غزة في اختيار إحدى بوابات التصفية لا المعالجة الإنسانية.