"الجيش توقع الهدوء.. وحماس فاجئته بعنف غير معتاد" هكذا علقت القناة 14 العبرية، صباح اليوم السبت، على أحداث جمعة "انتفاضة القدس"، التي استشهد خلالها 7 مواطنين وأصيب ما يزيد عن 60 آخرين جراء قمع الاحتلال للمشاركين الذين زاد عددهم عن 15000 وفق تقدير جيش الاحتلال.

لم يكن تقدير الاحتلال المسبق لمستوى حدة الحدث القادم، تقديراً عابراً  أو قياساً لجدوى عنفه الميداني المتراكم بحق المشاركين، بل جاء انطلاقاً من تطورات سياسية حصلت على صعيد المحادثات بين الاحتلال ومصر وحركة حماس، أعيد خلالها إحياء مجرى الحوار، بعد ما استؤنفت من جديد مباحثات التهدئة التي أضحت وفق الرؤية الدولية أكثر أولوية من المصالحة الداخلية.

لذلك؛ كان تقدير جيش الاحتلال بأن يخبو وهج المشاركة، ضمن المعادلة الحديثة على طبيعة العلاقة بين الفلسطينيين والاحتلال "ترجمة حسن النوايا"، وكان من الممكن، أن يصدق تقدير الاحتلال، لولا التغيرات السياسية التي حصلت، وفسرتها الكلمة التي ألقاها رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية، خلال جنازة أحد شهداء أمس: " إن مسيراتنا مستمرة ولن نقتنع بحلول جزئية وخطوات منقوصة".

حديث هنية كان الرد العلني للدول التي طلبت تخفيف حدة مسيرات العودة كبادرة حسن نية أمام جهود إقرار التهدئة التي تشترك كل الأطراف الإقليمية المتخاصمة على السعي لتحقيقها تحت المظلة الأمريكية، سبق ذلك أيضاً إبلاغ غير معلن لمصر، التي سيتوجه وزير مخابراتها عباس كامل، إلى تل أبيب ورام الله الأسبوع المقبل لمناقشة وضع غزة، والذي  كان قد طلب من الحركة منحه ورقة للضغط على إسرائيل والسلطة تتمثل في إيقاف فعاليات مسيرات العودة، دون مقابل، إلا أن الحركة اعتذرت عن ذلك، إلى حين تنفيذ طلباتها كاملة.

"وصلت مباحثات التهدئة لمرحلة متقدمة" هذا ما قاله إسماعيل هنية، في كلمة مسجلة له أول أمس: " إن هناك سعياً لإيجاد تفاهمات مع أطراف عدة، بينها مصر وقطر والأمم المتحدة، يمكن أن تقود إلى تهدئة مع إسرائيل مقابل كسر الحصار عن قطاع غزة، دون أثمان سياسية". ودلل دخول شاحنات الوقود الممولة قطرياً والمرعية دولياً إلى القطاع على واقعية هذا الطرح، فضلاً عن تكفل قطر برواتب موظفي غزة المحسوبين على حكومة حماس لمدة ثلاثة شهور، ثم الكشف عن مشاريع تنموية واقتصادية سيجري تنفيذها لاحقاً.

إضافة إلى ذلك أيضاً، كشفت جريدة الأخبار اللبنانية، عن تحسينات ستجريها مصر على آلية عمل معبر رفح، بعد مناقشات مع وفد حركة حماس، تتمثل في تركيب حواسيب جديدة داخل المعبر، وإضافة 6 أجهزة لبصمة العين، وهو ما سيؤدي إلى زيادة عدد المسافرين يومياً عبر المعبر من 350 شخصاً إلى 850. كما تقرر تسيير دوريات تأمين داخل سيناء مرات عدة، لضمان وصول المسافرين من غزة إلى القاهرة في اليوم نفسه، وعدم احتجازهم عدة أيام.

وضمن الاتفاق، ستعلن الأمم المتحدة عودة برنامج التشغيل المؤقت في غزة بقيمة 17 مليون دولار، وذلك لتشغيل ما يقارب الـ 15 ألف عامل.

أيضاً، تشترط حركة حماس،  زيادة كمية الكهرباء لغزة كخطوة أولى بـ50 ميغاواط، وصولاً إلى إنهاء مشكلة الكهرباء كلياً، وتوسيع مساحة الصيد البحري إلى 12 ميلاً بحرياً ثم إلى 20 ميلاً، وأيضاً إدخال المواد الصناعية الممنوعة، والسماح بتصدير البضائع كافة. كما طلبت الحركة منح 5 آلاف تصريح للعمل داخل الخط الأخضر (فلسطين المحتلة)، وإقامة ممر مائي للقطاع.

كل ذلك،  يلقى تجاوباً من الأطراف الدولية التي تضغط بدورها على الاحتلال، على أن يجري تنفيذه بشكل مرحلي، لكن الحركة ترفض هذه الآلية، وتريد التنفيذ دفعة واحدة، كما قال هنية اليوم، و أمام هذه التحركات المستمرة، عمدت الحركة لحشد ما أمكن من المشاركين، لإبداء رد ميداني واضح وضاغط على الأطراف التي طلبت من الحركة تخفيف حالة المشاركة في المسيرات.   

يقدر مراقبون، أن الحركة، لن تتراجع عن مطلب تنفيذ شروط التهدئة مرة واحدة وبشكل كامل، إذ تستبعد أن يصدق الاحتلال في تنفيذ بنود الاتفاق بشكل مرحلي كما يريد، بل سيستمر في الإلتفاف حولها إلى حين تغييب ما يريد، تماماً كما حصل مع اتفاق تهدئة حرب 2014، وأن الحركة لا تريد فقد حالة الزخم الشعبي، باتفاق غير ملموس، ينسف القدرة على حشدهم مرة ثانية.

ويرى مراقبون، أن حماس، أرادت إرسال رسالة واضحة للاحتلال، بأنها قادرة،على التحكم في مستوى حدة المسيرات والغليان الشعبي، وقد انعكس أثر هذه الرسالة فعلاً في(إسرائيل) ونقلته الصحافة العبرية صباح هذا اليوم.