في الأيام الأولى لـ لألفية الثانية، كالعادة حمل الكهل زكريا عبد الله الذي يعمل حداداً عدته متجهاً إلى عمله، لكنه وقبل أن يذهب رش أطراف منزله الواقع شرق مخيم جباليا بالمبيد الحشري.

وصل الرجل ورشته التي ورثها عن والده، وفجأة، سقط أرضاً كدمية، رغم بنيته القوية، ونقل بمساعدة أحد زملائه إلى مجمع الشفاء الطبي.

بعد التشخيص الذي طال على غير العادة أظهرت التحاليل الأولية أن هناك شبهات بإصابة الرجل بـ "النقرس"، وهو أحد أنواع التهاب المفاصل.

أبقى الأطباء الرجل الخمسيني في المستشفى لمدة أربعين يوماً إلى أن تماثل للشفاء من أثار التسمم، لكن "النقرس" لم يغادر جسده بسهولة، استمر على علاج مرض النقرس حتى العام 2016.

كانت فترة العلاج صعبة جداً في حياته، فكانت الأدوية التي يصفها الأطباء تنهك جسده حتى أذابت صحته كما قطعة ثلج في وجه شمس حارقة.

في مايو/ أيار 2016 بدأ يشعر بألم غريب وغير مسبوق ويلاحظ انخفاض كمية البول، في هذه الاثناء لم يتوقع انه على موعدٍ مع الفشل الكلوي. ذهب الي المستشفى لإجراء الفحوصات حتى أخبر الممرض عائلة زكريا بأنه بحاجة لغسيل الكلى على الفور،الأمر الذي لم يكن في الحسبان.

باءت كل محاولات الرجل للسفر لتلقي العلاج في الخارج بالفشل بسبب الحصار المفروض على غزة.

يقول: "حين علمت انه لا مجال لاستكمال علاجي للخارج، أصبحت الحياة لا تطاق وأنا الآن ضحية الموت البطيء"؛ ويذهب الحداد المريض إلي مجمع الشفاء الطبي لتلقي العلاج من خلال توصيله بجهاز الغسيل لمدة أربع ساعات مرتين في الأسبوع.

 بالإضافة  لتعثر العلاج في الخارج، هناك ما هو أكثر رعباً بالنسبة له، إذ أن انقطاع التيار الكهربائي يمثل هاجساً يشغله وأقرانه المرضى، يعلق الطبيب عبد الله القيشاوي رئيس قسم الكلى في مجمع الشفاء بالقول: " إن امتدادات الكهرباء من المولدات غير ثابتة، مما يؤثر على عمل أجهزة الغسيل ويلحق بها الضرر".

كذلك، تواجه مستشفيات قطاع غزة نقصاً حاداً في كميات الوقود، الأمر الذي يشكل كارثة إنسانية، في ظل بلوغ نسبة العجز 50%، خاصة مع وجود أزمة الكهرباء، والحاجة الماسة لتشغيل المولدات.

ومع ذلك، تبقى الكهرباء ومستلزمات الغسيل أقل المصائب، إذا ما قورنت بمشكلة نقص الأدوية المترافقة للغسيل، والتي يحتاجها المرضى بشكل دوري.

كهرمون "البيوتين" على سيبل المثال، الذي يؤدي نقصه الي الإصابة بفقر الدم إضافةً الي ان مريض الفشل الكلوي في غزة لا يأخذ حقه في العلاج نظراً للأعداد المتزايدة لمرضى الكلى وعدم كفاية أجهزة الغسيل.

 وكانت قد حذرت وزارة الصحة على لسان المتحدث باسمها الدكتور أشرف القدرة من تدهور الوضع الصحي لعشرات المرضى خاصة الذين يعانون من الفشل الكلوي جراء نقص الأدوية الطبية والوقود والكهرباء.

وأضاف القدرة: "إن هذه الأزمات تضع قرابة (751) مريض بالفشل الكلوي على شفى الموت".

عودة للحداد المريض يردف: " اعتدت أن أعمل كل يوم ولم أتغيب يوما لكنني خسرت عملي بسبب هذا المرض".

ويطمح أبنائه الخمسة بالحصول على عمل لمساعدة أبيهم في المواصلات لكن البطالة التي وصلت الي 80 بالمئة حالت بينهم وبين طموحاتهم.

 وما يواجه الأبناء الخمسة أيضا من تراكمات المرض والبطالة، أنه يتوجب على مريض الفشل الكلوي اتباع حمية من أجل الحفاظ على كمية السوائل في جسمه الا ان عائلة زكريا لا تستطيع توفير ست وجبات يومياً، ثلاثة للعائلة وثلاثة له، فيضطر أن يأكل معهم مما يجعل حالته الصحية أسوأ.

حكاية زكريا الذي وهن عظمه ورق جلده، هي ذاتها حالة آلاف المرضى في قطاع غزة، الذين أنهكهم المرض والانقسام السياسي والحصار الإسرائيلي.