شكّلت قضية اختفاء الصحافي جمال الخاشقجي حدثاً مدوّياً على صعيد العالم، وتحوّلت بين ليلة وضُحاها إلى قضية رأي عام، مع العِلم أنّ هناك آلاف المُعتقلين في السجون السعودية . فلماذا حُمّلتْ قضية اختفاء الحاشقجي هذا الحجم؟.

لم يكن الرئيس الأميركي من المُعجبين بنظام المملكة ولا بأنظمة الخليج عامة، وكالَ لهم سيلًا من الانتقادات في حملته الانتخابية، وكان في أسلوبه فظًّا غليظ القلب واللسان والمنطق معهم ومع غيرهم. ولكن مع وصوله إلى البيت الأبيض حاول استغلال علاقة الولايات المتحدة بممالك الخليج إلى أقصى درجة باعتبارها بقرة حلوباً تدرّ على بلده الأموال وتفتح لها خزائن الأرض. كانت الأمور تسير وفق الهوى الترامبي. إلا أنّ حدثاً قَلَبَ المشهد رأساً على عقب. دخل جمال الخاشقجي القنصلية السعودية في تركيا.. ولم يخرج.

 ثمة سيلٌ من الأسئلة يحتاج إلى إجاباتٍ أكثرها إلحاحاً منها: هل أنّ السعوديين ساذجون إلى هذه  الدرجة لكي يقتلوا معارضاً في قنصليتهم، مع عِلمهم بوجود كاميرات تصوير خارج القنصلية - إن لم نقل داخلها-؟

وهل أنّ الهدف الأول من - قتل- الخاشقجي - إذا ثبت -، وبهذه الطريقة كان رسالة داخلية لترويع كل الأصوات المُعترضة على سلوك وليّ العهد ، وجُلّها من الدائرة التي كانت تعمل في البلاط المَلَكي من الأجنحة المُختلفة قبل تحييد الأمراء المعارضين وصحفييهم والمُقرَّبين منهم؟

 سوء حظ الفاعِل أو التدبير تمثّل في نقطتين:

الأولى أنّ في الولايات المتحدة انتخابات نصفيّة للكونغرس الأميركي وأنّ معركة حامية الوطيس تدور بين الجمهوريين. والديمقراطيين الذين كانت علاقتهم متوتّرة مع المملكة السعودية حتى نهاية ولاية أوباما.

من هذه النقطة انطلق الديمقراطيون في الهجوم على الإدارة الجمهورية، كون الرئيس هو مَن منحَ السعوديين الضوء الأخضر في جلّ سلوكهم، إن في اليمن، أو في السكوت عن الاعتقالات في السعودية. إضافة إلى مُحاصرة قطر والتهديد في اجتياحها وتغيير النظام عنوة.

كانت الفرصة للحزب الديمقراطي، ولوسائل الإعلام المُختلفة التي كانت على علاقةٍ متوتّرةٍ مع ترامب، لفتح النار عليه وعلى حليفه المُستجِد المُتمثّل بوليّ العهد محمّد بن سلمان، وهو السلاح نفسه الذي يحارب فيه ترامب الديمقراطيين بحسبان انّه يجلب الأموال من السعودية لتحسين الوضع المعيشي والاقتصادي الأميركي، الذي شهد تحسّناً كبيراً، لم يشهده منذ أيام حُكم بيل كلينتون.

أمّا الثانية فكانت هي الثغرة الكبيرة ، وهي أنّ العملية حصلت على الأراضي التركية، وهي الخَصْم اللدود للسعودية، والتي تختلف معها على غير ملف، وأنّ أردوغان على رأس السلطة.

سمحت عملية الاختفاء - الاغتيال- لأردوغان بأن يكون في الموقع المثالي للتسديد على المرمَيين السعودي والأميركي الذي عمل على محاربة حزب العدالة والتنمية بالموضوع المالي، وكان سبباً في الانهيار الذي حصل لليرة التركية.

حيَّد أردوغان إدارة ترامب عن الموضوع، ومنحها تمريرة حاسِمة تمثّلت بالإفراج عن القسّ الأميركي الذي كان السبب في توتّر العلاقات الأميركية التركية، ولم يشعر العالم إلا والقسّ أصبح في البيت الأبيض. كان ذلك دفعاً كبيراً لحملة الجمهوريين في الانتخابية النصفية.

السؤال المطروح بقوّة: هل نحن أمام صفقة تدفع فيها السعودية المليارات للملَمة تداعيات الجريمة؟

باعتقادنا أنَ الامور تجاوزت هذه النقطة، بعدما أصبحت القضية قضية رأي عام عالمي، إضافة إلى أنّ الديمقراطيين وكل مَن يخاصم الرئيس ترامب لن يتركوا له فرصة للنجاة من الفخّ الذي أوقع بن سلمان فيه نفسه وصديقه . لذلك فإنّ القرار الأميركي ليس محصوراً بإدارة ترامب وبصهره ، وقد لا تنفع هذه المرة مليارات الدولارات التي من الممكن أن يعرضها السعوديون على ترامب للفلفة القضية والحد من تداعياتها، لأنّ الديمقراطيين سيعتبرون أن هذه الأموال ستُستخدَم ضدّهم في الانتخابات النصفية، وحتى في معركة التجديد للرئيس ترامب بعد سنتين.

هل يكون الثمن هو التضحية بوليّ العهد محمّد بن سلمان، بعدما أدّى قسطه للأميركيين، وأخفق في أكثر من ملف، وتهشّمت صورته التي عمل على تلميعها عبر إنفاق مئات ملايين الدولارات، والتي دفعها إلى شركات العلاقات العامة، والصحف الكبرى وكتّابها وعلى رأسهم توماس فريدمان التي قال فيه المطوّلات المَدْحيّة، التي لم يقلها المُتنبي بسيف الدولة الحمداني . وما هي الأسباب التي من الممكن أن تشكّل انعطافة حاسِمة في المستقبل السياسي لوليّ العهد:

أولاً: الإخفاق الكبير في حرب اليمن، التي أصبحت مُحرِجة للأميركيين "والعالم الحر" ونتيجة للطريق المسدود الذي وصلت إليه، وبات التفتيش عن مخرجٍ لها حاجة دولية وأممية.

ثانياً: ثمة سبب آخر يدعو إلى التضحية بوليّ العهد، وهو تعثّر مشروعه الاقتصادي المُتمثّل برؤية 2030 ، إن لم نقل نهايته، لعدم جدوائية ما يطرحه من رؤى اقتصادية، وفي مقدّمها عرض خمسة في المئة من أسهم أرامكو للبيع في سوق الأسهم، وعدم التجاوب مع هذا العرض.

ثالثاً: الإخفاق الكبير في مُعاداة قطر وعزلها وتعريتها، ما أدّى إلى الشرذمة في مجلس التعاون الخليجي إن لم نقل نهايته كتكتّلٍ سياسي جامِع. ولا سيما أنّ زيارة وليّ العهد الأخيرة للكويت، والتعاطي الفوقي مع هذه الدولة استفزّت الكويتيين ولم ترضهم بطبيعة الحال. إضافة إلى خلافه الكبير مع أبناء عمومته في العائلة الحاكِمة، ومشهد الريتز ما زال حاضراً.

الملك يتدخّل
يأتي اتصال الملك سلمان بأردوغان ليقول إنّ العلاقة هي معه فقط، وليست مع غيره، وهي تأتي في سياق لملمة الموضوع والحدّ من خسائره الكارثية على المملكة.

 أرسل الملك سلمان قبل فترة إشارات واضحة في موضوع صفقة القرن، وإيحاؤه للأميركيين وغيرهم إنّ القرار السياسي السعودي في الملفات الكبرى هو عند الملك حصراً.

نستنتج مما تقدّم، أنّ على أحدٍ ما أن يدفع الثمن، وأنّ العلاقات الأميركية السعودية التاريخية التي تكرّست منذ لقاء روزفلت بالملك عبد العزيز في العام 1945 ستبقى علاقة استراتيجية، ولن تخضع لأيّ انزياحٍ، فإذا كان المطلوب هو التضحية بوليّ العهد، تفادياً لأزمةٍ كبيرةٍ بين الحليفين، فإنّ وليّاً آخر للعهد قد تمّ التضحية به منذ سنة ونصف السنة، وكان رجل أميركا الأول، ولم ينبس أحدٌ ببنت شفة. فهل ستكون قضية الخاشقجي بداية النهاية لإبن سلمان؟.

بقلم: طارق عبود - الميادين نت