كشف نهار غزة ما كان غامضا في ليلها، قوة صهيونية خاصة تسللت إلى عمق 3 كيلو مترات في خانيونس جنوب القطاع لتنفيذ مهمة أمنية حساسة، لكن ما لم يكن في حسبان الاحتلال وقع، حيث أثارت المركبة التي كانت تستقلها القوة الخاصة انتباه بعض رجال المقاومة ما دفعهم لإيقافها، وخشية انكشاف أمرهم بادرت القوة باطلاق النار الكثيف باتجاه رجال المقاومة ما اوقع عددا من الشهداء والجرحى، وفي المقابل اعترف الاحتلال بمقتل ضابط صهيوني برتبة رفيعة وإصابة آخر بجراح خطيرة ثم انسحاب القوة بصعوبة بالغة مدعومة بسلاح الطيران الحربي.

غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة الفلسطينية أكدت أن مقاوميها أفشلوا مخططا صهيونيا خطيرا وكبيرا كان يرمي إلى استهداف المقاومة وتوجيه ضربة كبيرة لها، مشددة على أن الجهد الموحد والمشترك في إفشال العملية الغادرة هو رسالة قوة وتحدٍ وإصرار أمام العدو، ورسالةٌ واضحة بأن المقاومة يقظةٌ ومتأهبة وجاهزة للرد على أي عدوان وتلقين العدو دروساً قاسية.

مراقبون أكدوا ما ذكرته غرفة عمليات المقاومة حيث إن حاجة جيش الاحتلال الاسرائيلي لزي نسائي عند دخول غزة، وسرب طائرات حديث من الجيل الرابع عند الخروج، دون نجاح العملية هو فشل كبير لقادة الاحتلال.

الخبير والمحلل السياسي ثابت العمور قال إن القوة المتسللة كانت تستهدف تنفيذ عملية أمنية استخباراتية استباقية، لم يكن في اجندتها لا الخطف ولا الاغتيال، وكانت تنوي الدخول وتنفيذ الاجراء دون اشتباك ودون اكتشاف، كوضع اجهزة تجسس مثلا او اجهزة تتبع وتصوير او التقاط مكالمات، وربما اي شكل اخر على هذا الغرار، لكنها فشلت، وربحت المقاومة المعركة.

وعند تسليط الضوء أكثر على الشق الأمني ومعايير الربح والخسارة الميدانية، يضيف العمور لوكالة نبأ برس بأن الانسحاب بهذا الشكل ومقتل كولونيل بهذه الرتبة الرفيعة هو فشل امني، فضلا عن عدم قدرة (اسرائيل) على حماية جنودها على الارض.

ويوضح العمور أن دخول قوة ترتدي زي نسائي هو خلل أمني إسرائيلي كبير، حيث ان هذه المنطقة حدودية والاحتلال لا يعلم تركيبتها التي تحتّم على أي شخص الشك في أي إمرأة تتواجد في المنطقة، وتدفعه للتدخل لمعرفة ما تفعله النساء في المنطقة.

ويتابع العمور بأن فشل هذه العملية سيجعل (اسرائيل) تفكر مئة مرة قبل الاقدام على عملية مشابهة لأن حجم التكلفة كبير، مشيرا إلى أن المغامرة الاسرائيلية كشفت وجود فجوة بين (اسرائيل) وعملائها على الارض، أو انه على أقل تقدير لم يعد لديها عملاء يمكنهم القيام بمهمات صعبة كهذه في غزة وبالتالي غامرت بارسال جنودها في العملية.

يشاركه في ذلك، المحلل السياسي ذو الفقار سويرجو الذي يرى أن العملية أثبتت ان عيون التجسس الاسرائيلية اصبحت عاجزة في قطاع غزة ولم تعد تستطيع تقديم معلومات مهمة، ولذلك اضطرت (اسرائيل) لارسال قوة خاصة بنسبة خطورة عالية جدا من الداخل المحتل لتحقيق بعض الاهداف التي تصبو إليها.

ويضيف سويرجو لوكالة نبأ برس أن المقاومة استطاعت ولو بالحد الأدنى ان ترسل رسائل قوية للاحتلال الاسرائيلي انها ليست ضعيفة كما تعتقد حكومة نتنياهو وانها قادرة حتى في ساعات التراخي التي كانت موجودة على كشف اي مؤامرة قد تحاك ضد قطاع غزة.

وفي الوقت الذي يرى فيه سويرجو أن المقاومة حققت انجازا مهما ومن الطبيعي وقوع خسائر في صفوفها إلا أنه لا يرى أن تكرار المشهد مرة أخرى سيكون طبيعيا، موضحا: "يجب أن تكون هذه العملية درسا قاسيا للمقاومة الفلسطينية لزيادة درجة التأهب والانتباه من الغدر الصهيوني حتى في حالات الاسترخاء التي تنتج عن ما يشاع من هدوء وتفاهمات توحي بأننا ذاهبون لهدوء كامل.

يوافقه في ذلك، الخبير العمور الذي يرى أن ما حدث له علاقة بالتراخي الأمني اكبر من كونه خديعة او غدر، لافتا إلى أن نسبة جهوزية المقاومة والتعاطي الميداني مع الحدث كانت منخفضة جدا بدليل انسحاب القوة بالكامل.

ويشير العمور إلى ان (اسرائيل) مررت التهدئة لان لديها اهدافا تريد تنفيذها، فيما تعطّل الحرب اتمامها فلجأت لبيئة التهدئة والتراخي الامني الناتج عنها.

ويشدد العمور على أن احد أهم المعاني من العملية الأمنية أن الأصل في العلاقة مع الاحتلال هو الاشتباك، أما التهدئة فهي استثناء، كما أن الوقائع الميدانية تحتّم ضرورة رفع نسبة الجهوزية وإعادة تقييم الخطط والانتشار.