تكاد الـ48 ساعة الماضية من جولة المواجهة بين المقاومة و(إسرائيل) أن تكون نسخة كربونية من سلوك المقاومة في الأيام العشرة الأولى بحرب العام 2014.

إذ اعتمدت المقاومة وقتها تكتيك إبراز أوراق المفاجئات، كعملية زيكيم البحرية، والصواريخ التي طاولت مدن العمق كـ تل أبيب وحيفا منذ الأيام الأولى، فضلاً عما تلى ذلك من عمليات الإنزال  المتتابعة خلف خطوط العدو، لتفرغ ما في جعبتها سريعاً، ظناً منها أن الحرب قد تنتهي في غضون أيام قليلة على شاكلة عام 2012، لكن ما يميز هذه الجولة التي لم ترتقِ إلى الحرب بعد، هو استخدام النار بشكل مدروس وربط كثافة النار بسلوك العدو.

فإذا كانت المقاومة في حرب العام 2014 أرادت القول من خلال عملياتها النوعية " أننا موجودين" وقادرين على كسر هيبة الردع الإسرائيلي، فاليوم، تخوض مواجهةً متدرجة المراحل ومحددة الأهداف، وتضع نصب أعينها عدم الانزلاق إلى هوة الحرب من جديد، وتعلب أيضاً على عامل النفسي في مجتمع العدو باقتدار وتخاطب برسائلها الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

 عملية "الحافلة الإسرائيلية التي استهدفتها المقاومة بصاروخ الكورنيت"، قدمت من خلال الهدوء الذي تمتمع به المنفذون نموذجاً جيداً لقدر الضبط والتركيز الذي يحكم اداء المقاومة التي حرصت أن تكون عمليتها مصورة بأحدث التقنيات ليظهر المقطع المصور أن المنفذين لم يحرصوا على إيقاع قدر كبير من الخسائر البشرية في صفوف الجيش، بقدر ما حرصوا على توصيل رسالة واضحة المضمون. 

بجانب ذلك لا يمكن إغفال سرعة رد المقاومة على عملية تسلل خانيونس ، 18 ساعة فقط كانت كلفة التخطيط وأخذ قرار التنفيذ..

وبعد ساعات من تنفيذ العملية، خرج المتحدث الرسمي باسم كتائب القسام بتهديده بقصف عسقلان وهذا ما حصل فعلاً، التهديد تضمن الإشارة بأن توسيع دائرة النار إلى عسقلان، جاء بسبب تجاوز الجيش الإسرائيلي الخطوط الحمراء بقصفه الأبنية السكنية والمؤسسات المدينة والإعلامية، وفعلاً تم بعدها بدقائق قصف مدينة عسقلان، وكان المشهد الذي قُدم لأول مرة، هو انتشال جثامين مستوطنين من بين الانقاض، يثبت أن المقاومة لم تدخل  هذا الغمار للغرض الاستعراضي بقدر إثباتها أن يدها من الممكن أن ترتفع في أي وقت ومكان، وأن على العدو أن يحسب خطواته جيداً.

و لعل هذا التطور في إدارة المعركة، واللعب على عامل النفسي لم يأتِ من مجرد تعلم المقاومة من أخطائها وأن هذا السلوك مبتكر، إذ من الممكن القول إن مقاومة غزة استفادت جيدا من قربها من حزب الله الذي خاض في تموز 2006 حربا نفسية أكثر من أن تكون عسكرية فهو من لعب على نفس الوتيرة، هنا يذكر معلق الشؤون العربية في القناة العاشرة، تسفي يحزكلي، أنه "على طريقة حزب الله صوَّرت حركة حماس إصابة الحافلة بصاروخ خارق للدروع، وفقط بأعجوبة كان هذا العدد من الخسائر البشرية". وأضاف يحزكلي أن "حركة حماس تذكّر بأداء حزب الله في جنوب لبنان، سواء من حيث إطلاق الصواريخ المضادة للدروع، أو من حيث التصوير"

في مشهد آخر، لم تكتفِ المقاومة الفلسطينية خلال مرحلة المواجهة النفسية على القوة النارية وعملية الباص، بل زادت عمق الفجوة بين الإسرائيليين والقيادة التي تخفى عنهم الكثير خلال العمليات العسكرية المتبادلة بين المقاومة والجيش؛ إذ أعادت صباح هذا اليوم الحكاية إلى اليوم السابع من شهر شباط المنصرم من العام الجاري من خلال استذكار عملية كمين العلم؛  لتكذب رواية القيادة بما لحق بجنودهم في الانفجار الذي أصاب خبراء الهندسة على السياج الفاصل بين غزة و (إسرائيل).

إذ نشرت ألوية الناصر صلاح الدين، مقطعا يظهر عملية نوعية، سارية علم كانت مزروعة على السياج مزقت تلك الوحدة إلى أشلاء، وكذبت رواية الجيش بأن ما وقع هي إصابات طفيفة.

لكن وعلى كل حال، من المبكر القول إن اليد العليا في هذه المواجهة للمقاومة، فالساعات القادمة ستقدم (إسرائيل) أيضاً جملة من مفاجآتها، لكن يمكن القول، أنه لا خوف على المقاومة لطالما تسلحت بالوعي في إدارة المعركة، واستخدام النار المنسجم مع الأهداف المرجوة.