بعد ساعات قليلة من انتهاء جولة تصعيد عسكري بين كيان الاحتلال وفصائل المقاومة في قطاع غزة، أعلن وزير الحرب الصهيوني افيغدور ليبرمان عن استقالته رسمياً من منصبه كوزير للحرب في حكومة بنيامين نتنياهو، معتبرا قراره احتجاجا على موافقة "الكابينت" على وقف إطلاق النار مع فصائل المقاومة في غزة.

المؤتمر الصحافي الذي صرح فيه ليبرمان بقرار استقالته أظهر ضعفا كبيرا في قيادة الاحتلال عززه خلافات كبيرة لم يسبق لها مثيل منذ احتلال فلسطين، فلم يعد في (إسرائيل) قائدا تاريخيا كبيرا يقاتل بشراسة دون ان يناقش ثم يعود لجمهوره بالانتصارات، وانما بات وضع القيادة الإسرائيلية مترهلا ولا يحكمه عقل أو رأس واحد بل تتنازع القرار رؤوس كثيرة.

الخلافات الكبيرة التي باتت تتغلغل في أوساط قيادة الاحتلال ترجع لأسباب كثيرة منها تغليب رؤساء الأحزاب مصالحهم الشخصية ومصالح أحزابهم على المصلحة العامة خلافا لما كان عليه رجالات (دولة إسرائيل) السابقين، إضافة إلى ذلك فإن تعاظم قوة محور المقاومة وفشل الاحتلال في معاركه الأخيرة تسبب بحالة من الجدل الكبير وتراشق الاتهامات بالمسؤولية عن تراجع قوة الردع.

وبالعودة الى تصريحات ليبرمان في خطاب الاستقالة، نجد أن ليبرمان أفصح ببلاهة منقطعة النظير عن اتجاه التفكير الاسرائيلي السري جدا وهو ما تمثل بالسبب الأساس لاستقالته، فقد كان الخلاف الأشد حول أولويات الصراع والترتيب، وليس أصل العدوان.

ليبرمان صرح بأنه "كان علينا إغلاق قضية غزة أولا ومن ثم التفرغ للجبهات الأخرى"، مؤكدا أن الجدل كان حول ترتيب العمل حسب الأولوية في الجبهات بما لا يدع مجالا للشك بأن قادة الاحتلال يخططون لعمل عسكري أو أمني خطير في جبهات أخرى، وهو ما أوضحه ليبرمان أيضا عندما عاد في حديثه لنفس النقطة وقال: "لا يمكن قبول وضع غزة بسبب بعض الذرائع بالشمال وغيره".

اذن، لم تكن مقاومة غزة السبب الوحيد في إنهاء المعركة بهذا الشكل، لكنها بلا شك كانت سببا مهما يُقاس عليه، فقد أظهرت قوة كبيرة في مواجهة عدوان الاحتلال ووجهت لكمات قوية له، فضلا عن فوزها بالجولة الأولى من المعركة وهو ما يمثل نصف المعركة عسكريا.

بات مثبتا تاريخيا أن كل بداية معركة تكون مفاجئة لـ(اسرائيل) فانها من المؤكد ستخسر جولة النهاية كما خسرت جولة البداية، ولذلك هي كانت تعتمد "ولازالت" اعتمادا كبيرا جدا في صراعها مع اعدائها على عنصر المفاجأة لأنها اذا وجّهت لخصمها اللكمة الاولى بقوة فانه ربما يترنح لساعات طويلة بعدها، قبل أن يستطيع لملمة أوراقه التي تبعثرت وهذا سيجعل (اسرائيل) تناور وتحقق انجازات اخرى قوية ربما تجعل خصمها ضعيفا في الأداء العسكري حتى نهاية المعركة.

في حرب تموز ومع أن الاحتلال كان يخطط لحرب واسعة ضد حزب الله إلا أنه بدا مصدوما من مبادرة حزب الله باللكمة الأولى التي تمثلت في هجوم كورنيت على جيب عسكري وخطف من فيه، ما جعل الاحتلال يترنح ويعيش الصدمة حتى نهاية المعركة التي كان حزب الله فيها ثابتا وحقق انجازات ميدانية مهمة جدا كان لها الأثر في شكل المنطقة المستقبلي.

وكذلك ما جرى في غزة، (إسرائيل) كانت بصدد تنفيذ مهمة أمنية خطيرة ولم تكن قد أعدت نفسها لعدوان واسع نظرا للأسباب الداخلية سابقة الذكر وأيضا التوتر على الجبهات الأخرى، لكن يقظة المقاومة أفشلت المهمة فربحت الجولة الأولى ثم باغتت الاحتلال بالصواريخ في ظل عدم وجود قرار صهيوني موحد بالتصعيد فربحت نهاية الجولة.

الآن من الواضح أن قيادة الاحتلال تعيش أزمة في القرار، وستبقى كذلك إلى حين ترتيب تحالفات حزبية تقود إلى حكومة جديدة، لذلك التكهن في هذا الوقت حول مجريات المستقبل الميدانية صعب، لكن الثابت الوحيد أن طاولة الكابنيت كانت تحمل أوراقا كثيرة مهمة قيد البحث.

وأكثر وضوحا، القيادة الإسرائيلية أنهت جولة التصعيد مع قطاع غزة لأن لديها ما هو أكثر أهمية ولأنها خسرت الجولة الأولى، فقد كانت تخطط لبداية أقوى، كصيد ثمين في غزة يتمثل في معلومات حساسة أو اغتيال شخصية مهمة، أو أنها كانت على وشك اتخاذ قرار بتنفيذ عمليات عسكرية أو أمنية على جبهات أخرى كلبنان وسوريا وايران، وسواء كان قرارها القادم للخيار الأول أو الثاني فإنها بالتأكيد ستخسر المعركة.