بمحض الصدفة تعثر رجلان أحدهما باحث تاريخي بمُسن كان يجلس في احدى زوايا  ميدان فلسطين "الساحة" – وسط مدينة غزة-  منهمكاً بقراءة رواية عالمية قديمة تدعى " فداء" للروائيين Max Brand و Laszlo Vadnay التي صدرت في عام 1941 وأخذت صدىً واسعاً وجرى تحويلها بعد ثلاث أعوام إلى فلم سينمائي.

الدافع من وراء هذه الصدفة والرغبة في معرفة المزيد عن ذلك العجوز، ليس متعلقا بتلك الرواية نادرة الطباعة، بل الطريقة الغريبة التي وصلت للمتشرد، إذ اغتنمها العجوز من إحدى حاويات القمامة مع مجموعة من الكتب القديمة القيمة متنوعة الثقافات.

مُعد التقرير، لم يجد صعوبة في إيجاد الرجل، فالبائعين ورواد تلك المنطقة حين تسألهم عن "أبو وحيد" صاحب الكُتب يشيرون بأصابعهم لتلك العربة القديمة المغطية بقطعة قماش زرقاء الواقعة على الطرف الشمالي من الميدان.

قبل التوجه لذلك الشخص؛ سألنا عدة أشخاص عن أي شيء يعرفونه عنه، كانت الإجابة أنه إنسان لا يخدش أحداً حتى الجدران، ونصحوا بأن لا نتطرق كثيرا لتفاصيل حياته الشخصية.

في الحقيقة لم تكن بداية اللقاء ودودة من "أبو وحيد" الذي اكتشفنا أنه ما يزال صغيراً على مصطلح العجوز، إذ أنه يبلغ من السنين "56 عاما" ولكن هيئته وطريقة حديثه تظهر أنه عجوز فاق السبعين عاماً.

افتتح  الرجل الذي يدعى صلاح الجوجو الحديث :" يا أهلاً، إنْ تقرير إنساني اسحب حالك وروّح إنت وصاحبك تبع الكاميرا؛ أنا لست حالة إنسانية".

كان هذا الرد كفيلا، ليحدد الرجل مسار المقابلة ومضمون التي ستخرج به القصة، فعلى قاعدة  ترك الهوامش والتمسك في عمق الحادثة، يجبرنا أبو وحيد على ترك التفاصيل الإنسانية والمعلومات الخاصة التي يفضل أن يستبقيها لنفسه، ونتمسك بشغفه الكبير للأدب والثقافة التي كانت محور المقابلة التي امتدت لست ساعات عن الحالة الثقافية المعاصرة  وحالة الأجيال الراهنة، وكيف وظف القراءة والأدب لآن يكون منارة له في حياته كمتشرد.

منذ أن كان أبو وحيد صغيراً أي في أواخر الستينيات كان مختلفاً عن الجميع، هكذا يقول؛ فالرجل كان لا يحب اللعب مع أقرانه بل كانت متعة طفولته الذهاب مع اخيه الكبير إلى قاعات السينما التي اندثرت عن ساحة غزة الثقافية لأسباب كثيرة، للإشارة كان في غزة قبل عقود مضت، ثلاث قاعات سينما " الجلاء-  النصر – عامر".

" أول فلم شاهدته كان فلم كارتوني؛ صحيح أنني لا أذكر شيئا سوى جلوسي هناك، لكن ما زالت أشعر بجمال تلك اللحظات"، بالمناسبة يطلق الرجل على نفسه لقب "محارب رحلة النسيان" بعدما اكتشف لاحقا أنه مصاب بمرض "الزهايمر" وعلى ذلك كان مُعد التقرير يكرر السؤال وزاويا الحديث ليضمن تقارب الإجابة.

ويعزو الرجل فقدان ثقافة السينما في قطاع غزة وغياب فن المسرح لأسباب كثيرة لم يشأ الحديث عنها لأنه لا يحبذ الغوص في المُسببات بقدر أنه يرى الأفضل الحديث عن طرق المعالجة، يختصر هذه الزاوية بالقول :"  المجتمع الذي لا يوجد به خشبة مسرح أو غرفة سينما هو مجتمع أعرج لن يتقدم خطوة إلى الأمام".

  شغفه بالسينما منذ الصغر دفعه بشكل يومي للذهاب إلى منزل جد والدته من عائلة عفانة، إذ كان فيها مكتبة كبيرة من مؤلفات غربية وعربية أدبية ودووايين شعرية لأعظم الكتاب العرب والغرب معظمها تعود للقرن الثامن عشر، وتبين أن معظم أخواله يعملون في مجال السينما والأدب.

" في سن المراهقة مثلت تلك المكتبة كنزي الثمين، لكن بعدما جاءت تلك الفتاة ورمت تلك الكتب إلى الشارع وحاويات القمامة لم أدخل ذلك المنزل". يقول أبو وحيد الذي قرأ في حياته قرابة ألف كتاب ، مُصرا على أن ضياع الأمة العربية بدأ في أول كتاب رُمي في حاوية القمامة.

على ذكر القمامة يشير أبو وحيد _الذي أطلق هذا الاسم على نفسه، فهو ينام في الشارع منذ 1998_، شرع في مبادرة شخصية للمحافظة على هوية الأدب والثقافة، فعلى مراحل يذهب الرجل إلى المكبات العشوائية التي تعدى عددها الثمانين مكباً في مختلف محافظات قطاع غزة؛ لجمع الكتب والروايات القديمة ويجمعها ثم يقرأها بشغف ويحفظها لأصدقائه، حتى أصبح مصدراً جيداً للروايات القديمة والغربية.

بسخرية يقول :" في غزة، يبدو أن أجمل مكتبة هي الحاويات؛ فأنا  لا أعرف شروط المكتبات التي تسن قوانين كالعضوية وغيرها".

صحيح أن الرجل يكون سعيدا حين يجد تلك الكتب ويمضى ليلة كاملة داخل إحدى المكبات، إلا أنه لا يخفي قهره على حال الجيل المعاصر في تعامله مع الكٌتب، يقول :" طول ما شبابنا على الإنترنت، بينزلوا صورهم وبرموا كتابهم وإحنا في الحضيض، والله يا عم ما راح نرفع رأسنا".

 مبادرة "أبو وحيد" الشخصية تهدف لحفظ الكتب القيمة والأثرية من الضياع  ومحاولة توصيلها للجيل الذي انغمس في الشبكة العنكبوتية، فالكتاب كما يرى الرجل صديق الجميع ولا يمكن التخلي عنه، ويستدرك أبو وحيد الذي لا يريد أن يجلد الضحية : "العولمة والغزو الفكر الشباب العربي استطاع النيل من الأجيال المعاصرة والناجي منها قد لا يكون مؤثراً"

وينصح أبو وحيد الشباب باستغلال واقعهم النادر وأن يبحثوا عن الوجه المشرق من حالة الصراع الدائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ فمثلا يرى أن إيجابيات الحروب العالمية المنصرمة ووقائع الصراعات المتعاقبة أنجبت روائيين وأدباء ومثقفين وعلماء ما زال العالم يتكئ على أقوالهم وعلمهم.

  من بين الكتب التي وجدها بجانب رواية "فداء" ديوان شعري لشاعر النساء المعاصر نزار قباني، وآخر يتحدث عن  حياة كاتب المنفى جبران خليل جبران وثالث رواية "نساء حائرات" ومجموعة آخري من القصص الهندية.

وعلى ذكر المجموعة القصصية " لنساء حائرات"، أبو وحيد لم يتزوج قط ولكن بحسب ما يقول إن معظم الكتب والروايات التي قرأها عن النساء وأنواع النساء  جعلوا منه شخصا مدركا للجنس الآخر دون خوض التجربة، يردف:" أنا صديق الكتاب، وأعرف ما يريده مني، لا حاجة لخوض التجربة طالما قرأت كتابا مقنعا".

حين تطرقنا للحديث عن بقاء الرجل وحيداً، رد بحزم: " لطالما بنحكي في الأدب والثقافة، حياتي الشخصية ما بتلزم لحدا وإلي في القلب خليه في القلب يا عم".

يعتقد الرجل إن القراءة عالجته نوعا ما من مرض النسيان؛ رغم أنه في لحظات  ينسى معنى السير وماذا تعني الأسماء وأشياء من هذا القبيل، :" لم أعرض نفسي على طبيب، يُقال إن الإنسان طبيب نفسه".

 تعامل أبو وحيد مع نفسه خلال فترة المقابلة على أنه فيلسوف مختبئ، إذ أردف نصيحة  أخرى للشباب في إن مواضبته على القراءة زادت عنده " الأمانة والشرف والأخلاق".

كان هناك موقفين عكسا علاقة الرجل بالكتاب وكيف أضافت القراءة أبعاداً جديدة  لحياته القاسية، خلال المقابلة قاطعنا رجل مهذب الوجه والملابس يقود سيارة حديثة لاصطحاب أبو وحيد معه، وحين تفهم الأمر رحل، في السؤال عن ذلك الرجل، تبين أنه طبيب أسنان صديق مُقرب لأبو وحيد ولا يعرف عنه إلا كنيته؛ ففي كل مساء يأخذ الطبيب المتشرد المثقف في جولة في السيارة ويتبدلا الروايات وحصيلة قراءة اليوم لكل واحد منهما.

 " صحيح أن الانتقاد هو أقل درجات الذكاء، ولكن لست مبالغا لو قلت أنني ناقد جيد"، بدأ الرجل في تصنيف الُكتاب والفرق بين القصة القصيرة والشعر وزاد :" كل شخص يسير في غزة هو قصة قصيرة، لذلك أنصح باستغلال أنفسهم".

في غمرة النصائح التي يقدمها ، ظهر لنا مشهدا آخر يدلل مدى عمق الإنسانية حين يصبح الشخص أديبا وقريب جدا من الكُتب.

إذ طلب التوقف عن الحديث؛ فالآن جاء موعد طعام القطط، نادى المتشرد بصوت غريب وفجأة بدأت القطط تخرج من كل مكان تجتمع عليه بصحبة ثلاثة كلاب.

لا يوجد تفسير علمي لسر ذلك التجاذب واستجابة تلك الحيوانات للمتشرد بكل ذلك الأمان ولكن يقول : " الكتُب تقربني من كل شيء من الجدران من الشجر من الحيوان".

 يختم ساخراً :" يلقبوني أبو هريرة بسبب كثرة القطط حولي، لكن في الحقيقة العلاقة التي تربطني معها هو أنني متشرد وهي كذلك".

اشترك في حسابنا على تويتر لمتابعة أهم الأحداث المحلية والدولية