على غير المتوقع، أعلنت سرايا القدس  الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، مسؤوليتها عن عملية قنص التي حدثت بتاريخ 22يناير/كانون ثاني/ 2019، واستهدفت ضابط إسرائيلي على الحدود الشرقية لقطاع غزة، في رسالة متعددة الأبعاد والاتجاهات وحساسةُ في التوقيت.

العملية التي وقعت قبيل دخول المنحة القطرية بيوم واحد،  أفرزت الصحافة العبرية  عقبها سيلاً من التحامل والاتهامات لحركة الجهاد الإسلامي، بوصفها أفعال فردية حدثت نتيجة صراع داخلي على القيادة داخل الحركة،  جاء الإعلان المذيل بـ " إلى اللقاء في عمليات جهادية أخرى" وقد سبقه بيان عسكري  أصدرته السرايا، دحضت فيه مزاعم الاحتلال عن وجود صراعات داخلية داخل أروقة الحركة، وأكدت أن كل فعل عسكري يتم بكامل التنسيق مع كافة المستويات السياسية والميدانية.

الأهمية التي حملها الفيديو الذي نشر قبل ساعة واحدة من وصول وفد حركة الجهاد الإسلامي يترأسه الأمين العام زياد النخالة إلى القاهرة، وكذلك خروج وفد حركة حماس برئاسة إسماعيل هنية، لاستكمال تفاهمات التهدئة، تتصل تماماً بما وصلت إليه تفاهمات التهدئة الأخيرة، والاجتماع الثلاثي الأخير بين حركة حماس والمبعوث الأممي للشرق الأوسط نيكولاي ميلادينوف والمخابرات المصرية، وهو الاجتماع الذي وصفه هنية بأنه غير مسبوق، وعلقت عليه الصحافة العبرية بالقول: " حركة حماس تتوصل إلى  صيغة تضمن الهدوء مع (إسرائيل) وتخفف مسيرات الحدود" هذا من جهة، ومن جهة أخرى حملت دلالات توقيت تنفيذ العملية موقفاً "جهادياً" اكثر حزماً فيما يخص التفاهمات القائمة بين قطر وحماس التي أسست لها المنحة الأميرية القطرية (15 مليون دولار شهرية لموظفي حكومة حماس بغزة) واستخدمتها تل أبيت كأداة ابتزاز للقطاع، وورقة لتصفية الحسابات في الصراعات الانتخابية الإسرائيلية الداخلية.

يتضمن الإعلان فيما يتضمنه جملة من الرسائل، بعيداً عن دواعي الاستهداف اللصيقة باعتداءات الاحتلال المستمرة على المواطنين المشاركين في مسيرات العودة، وبينته بوضوح جلي الثواني الأولى من الفيديو، إعلان حسم موقف حركة الجهاد الإسلامي  من نتائج تفاهمات الهدوء الأخيرة مع الاحتلال، في وقت يرى مراقبون أن الاجتماع الثلاثي الأخير خلص إلى دفع القطاع إلى الارتباط أكثر مع مصر.

إذ كشفت جريدة الأخبار اللبنانية،  أن التفاهمات الأخيرة، أفضت إلى وصول الأطراف إلى ضرورة القفز عن السلطة الفلسطينية في تنفيذ استحقاقات الهدوء مع الاحتلال.

وأن الوفد المصري تعهد بالإبقاء على  فتح معبر رفح، الذي  سيشمله توسيع نشاط التعامل عبر  بوابة صلاح الدين التجارية، إضافة إلى تقديم القاهرة تسهيلات للتجار الغزّيين في السفر إليها، و في إدخال بضائعهم إلى القطاع، وكذلك بدأ تنفيذ مشاريع الأمم المتحدة التشغيلية في القطاع.

والمطلوب وفقاً لما نتج عن الاجتماع، والاستمرار في المحافظة على حالة الهدوء، وغربلة الأدوات الشعبية لمسيرات العودة المربكة للاحتلال، من بينها العمليات العسكرية الفردية، واستدلت الأطراف على العملية الأخيرة، إلا أن إعلان سرايا القدس مسؤوليتها عن ذلك، يخلق واقعاً مغايراً لما وضع على طاولة الاجتماع الثلاثي.

وفي غضون انتظار نتائج الاجتماع في القاهرة التي وصلها وفد حركتي حماس والجهاد، وضع الفيديو موقفاً مسبقاً للجهاد الإسلامي من اشتراطات الاحتلال، بمعنى بقاء المقاومة على موقفها من تمسكها بالمعادلات العسكرية مع الاحتلال، سيظل على حاله، وأن السماح بدخول احتياجات القطاع المعيشية ليست رهينة أفعال بل حق لن يخضع لتفاهمات تكبل المقاومة، وهي الرسالة التي لا يمكن فصلها عن نشر الفيديو المتزامن مع وصول الأمين العام النخالة إلى القاهرة، وهو ما يحمل بشكل علني عزم المقاومة على كسر معادلة الهدوء وفق توقيت الاحتلال.

وتعريجاً على  الرسائل السياسية للإعلان، فإنها ترتبط تماماً بما سينتج عن اجتماعات القاهرة، وحتى وقتها، بدت أصداء الفيديو في أروقة الحكومة تتصاعد في قالب انتخابي، إذ علق وزير الدفاع المستقيل أفيغدور ليبرمان في رسالة لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتيناهو: " يجب عدم الخنوع للإرهاب والعمل بقوة ضده"، فيما يشير مراقبون إسرائيليون إلى أن التعامل الإسرائيلي مع الفيديو لن يتطور إلى خطوات على الأرض، فهو في الحسابات الإسرائيلية حدث لقي رد وانتهى.

 

آخر الرسائل التي يوجهها "المقطع المصور الذي نشرته قناة الميادين" هي رسالة داخلية تحدد موقف الجهاد الإسلامي من غرفة العمليات المشتركة التابعة للمقاومة، وخصوصاً أن عملية القنص هي ثاني خروج واضح لـ "السرايا" عن موقف غرفة العمليات المشتركة، فقد خاصت الحركة في وقت سابق جولة محدودة مع العدو، بدا ظاهراً أنها قررتها بنفسها، وأحدثت جدلاً كبيراً في الأوساط الحزبية بين مؤيدٍ ومعترض، وكادت أن تقود الأمور إلى أزمة تنظيمية بين أنصار (الجهاد وحماس).