ممر طويل وغرفة ضيقة في مخيم الشاطئ غرب غزة من كانا يسمعا نحيب الليل من الأم العجوز أم فارس بارود، فوحيدها الأسير فارس لم تزره منذ احدى عشر عاماً، بعد رفض الاحتلال الإسرائيلي طلب زيارتها لدواعي أمنية.

فارس الذي كان قد اعتقل منذ 23 مارس/آذار 1991، ومحكوم بالسجن المؤبد بتهمة قتل مستوطن،  كان يقبع في سجن نفحة الصحراوي، بعد تنقله في عدد من السجون الإسرائيلية.

في بداية عام 2011 حين بدأ الحديث عن تقدم في إبرام صفقة أسرى بين المقاومة الفلسطينية و (إسرائيل)  كان هناك شعور لأم فارس إن وحيدها سيكون من بين قائمة الأسماء، فراحت  تزين ذلك الممر الضيق ودهنت جدران غرفتها بلون المرايا استعدادا لقدوم فارس.

هذه العجوز لم تذق طعماً للأعياد أو المناسبات  خلال سنين اعتقال فارس؛ لذلك قد تكون إبرام الصفقة أول الأعياد بالنسبة لها في حال تواجد فارس.

في تشرين من ذلك العام، أبرمت الصفقة ولكن بكل أسف لم يكن فارس من ضمن القائمة ليعود نحيب الليل والممر الضيق يزداد طولا والغرفة تأكل نفسها وهي تراقب حسرة الأم.

كانت هذه الضربة الثانية بعد منع الزيارة بالنسبة لأم فارس في حكايتها مع انتظار الإفراج عن ابنها؛ إذ قالت في مقابلة سابقة مع مُعد التقرير:" لا أريد شيء سوى أن أشتم رائحته، وأجيبله أحلى عروس".

رغم انكسارها في الليل؛ إلا أنها كانت تخرج في النهار إلى خيمات الاعتصام لتشارك وتؤازر أقرانها وأمهات الأسرى.

مستوى النظر عند العجوز بدأ ينخفض بشكل ملحوظ، أولا لكبر عمرها ولعدم توفير الرعاية اللازمة بجانب بكاء الليل المستمر.

الصورة الثانية لمشهد القصة منقولة على لسان أحد الأسرى المحررين وتحديدا مقتطفة في عام 2012، أي بعد اتمام الصفقة بعدة شهور، حين التقى ذلك الأسير بفارس في سجن "أيشل".

في أواخر عام ٢٠١٢ كان  يقبع الأسير حينها في سجن ايشل بئر السبع، وقد خرج حينها في بوسطة إلى محكمة عوفر وفي طريق العودة التقى فارس الذي كان  في العزل الانفرادي ودار بينهما حوار قصير.

طلب فارس من زميله أن يخبر الأسير القائد جمال أبو الهيجا  أن الأسير المعزول فارس بارود يريد الخروج من العزل. عند وصوله باليوم التالي سجن ايشل قسم ١١، اوصل الخبر وما هي ايام الا وفارس بينهم، وللإشارة هذا أول خروج لفارس بعد 18 عاما من العزل الانفرادي.

 ينقل الأسير المحرر أنه في الأيام الأولى من لحظة خروج فارس من العزل الانفرادي كانت تظهر عليه علامات الدهشة لحظة خروجه "للفورة" فهو أول مرة يرى أعداد الأسرى وزملائه منذ سنوات.

 في إحدى الجلسات سأل الأسير المحرر زميله فارس:"  هل تشتاق إلى الحرية؟!" يجيب فارس : "أنا كالمقطوع من شجرة ليس لدي الا والدتي المسنة والتي ربما ستكون قد ودعت الدنيا عند خروجي من السجن ولكني اشتاق للبحر فأنا احب البحر جدا، ثم أردف دمعة".

 إلى مشهد الأم؛ في أواخر 2013 توقفت العجوز عن البكاء وعادت مرة آخرى لتزيين الممر ودهن الغرفة ورشها بالورود، فبكل ثقة فارس ضمن قائمة الأسرى القدامى المحررين الذين سيطلق سراحهم مقابل عودة السلطة الفلسطينية إلى المفاوضات.

لكن بكل أسف كان هذا الإعلان هو الضربة الثالثة والقاضية لأم فارس، حين تنصل الاحتلال من إطلاق سراح أسرى "الدفعة الرابعة"، التي كان من المفترض الإفراج عنها نهاية شهر أبريل/نيسان 2014. في ذلك الوقت دخلت العجوز المشفى نتيجة الصدمة، الأمر الذي أدى إلى فقدانها البصر كليا.

ثلاث انكسارات عاشتها العجوز الوحيدة، دفعت الصحفي نضال عليان بأن يسقط قصة أم فارس على حكاية نبي الله يعقوب إذ نشر عبر صفحته :" الألم متشابه ..ما كان في سيرة خليفة الله نبينا يوسف عليه السلام يشبه ما كان في سيرة خليفة الله الشهيد فارس بارود.. فقد خانه اخوته من العرب والمسلمين وتركوه في غياهب الجب حتى ابيضت عينا أمه من الحزن على فراقه.. فقط ما كان مختلفا هو مكان اللقاء الاول بعد الفراق الطويل".

في 18-5-2017، انتهى  الألم بالنسبة للعجوز حين صعدت روحها، وأغلق باب ذلك المنزل الصغير والممر والغرفة ينتظران فارس ولكن دون تلك "العجوز" التي طلبت قبل موتها بأيام أن تبقى صورة فارس معلقة على الجدران وأن لا يدخل المنزل أحد إلا حين خروج فارس.

حتى أن حلم الأم لم يتكمل أيضا، فأمس الأربعاء 6-2-2019 استشهد فارس نتيجة الإهمال الطبي من قبل ما تسمى مصلحة السجون، ليبقى كل شيء على حاله وتبقى الصورة معلقة كحكاية فارس وأمه الذي بقى احتضانهما في الأرض معلق، أما في السماء الله وحده يعلم كيف كان اللقيا.