كان هذا التقرير الإنساني مُخصص لحادثة الإعدام الميداني التي ارتكبها قناصة الجنود الإسرائيليين شرق غزة بحق الشاب حمزة اشتيوي "18 عاما"؛ لكن  تفاصيل ما قبل وما بعد حادثة قتل الجنود المتمركزين شرق مخيم البريج للطفل حسن شلبي الذي لحق بحمزة بعد ساعة تقريبا غيرت سكة النص.

 ولأن مشهد  دخول وخروج جثمان حمزة  المصحوب بهتافات الجموع والرايات المرتفعة والحناجر الغاضبة في منزل والده شرق حي الشجاعية، مشهد مألوف في قطاع غزة، نعود بسويعات قليلة إلى الخلف، وتحديدا لحظة إعدام حمزة.

المسعف رامي دبابش؛ كان على مرمى  من مكان الحادثة  "قرابة خمسة أمتار" موثقا لتلك السياسة الإجرامية التي تتبعها (إسرائيل) بحق الشباب السلميين الذين خرجوا إلى حدود غزة للمطالبة بحقوقهم الإنسانية قبل كل شيء.

يقول دبابش:"كان حمزة جالس خلفي قرابة 5 متر وكان يضع يديه على قدميه فسمعت صوت الطلق وبصفتي كمسعف في الميدان ركضت عليه فقال لي حرفيا (فش فيا إشي) فنظرت إليه لأعرف مكان الإصابة وجدت الدم يخرج للتو بشكل كبير من رقبته أدركت أنها إصابة قاتله وقلت له قول (لا إله إلا الله) فرددها ثلاث مرات وانا أُدخل الشاش بداخل الجرح واضغط عليه وكان معي زميلي يساعدني فتغير لون وجهه وكان النزيف لا يتوقف فحاولت ولكن قدر الله أقوى منا جميعا".

"حتى لو نقلت شهادة المسعف إلى المحاكم الدولية لمحاكمة (إسرائيل) على أفعالها الوحشية كغيرها من الجرائم التي ارتكتب بحق الفلسطينيين وجرى توثيقها ثم نقلت إلى طاولة محكمة الجنايات الدولية، فهذا الأمر لن يضُر (إسرائيل) بتاتا"، هكذا يرى الرجل أبو سمير سكر جار الشهيد الذي كان يسير في ذيل الجنازة.

ثم دعّم رؤيته بالقول: "يا عم إسرائيل لا تعترف إلا بمنهج القوة وغير ذلك هو ضحك على الذقون" وقبل أن يترحم على الشهيد ويلحق بالجموع، عقد حاجبيه، مطالبا الغرفة المشتركة دون النظر إلى زاوية – السلبيات والإيجابيات- بالرد السريع على حادثة ارتقاء الشهيدين في الجمعة الماضية. وختم: "بكفينا استنزاف؛ خلّي الكل يكون متضرر مش بس أولادنا يا عم؛ برجع وبقلك إن لم يأتِ الشيء بالقوة فمزيدا من القوة يأتي".

قبل أسبوع من لحظة ارتقاء حمزة، تحدث الشاب مع عمته الزميلة بثينة المقيمة في تركيا في رحلة عمل، مطالبا أو متمنيا أن تأخذه عندها ليكمل مسير حياته بالشكل الذي يليق بكل شاب طامح. لكن لأن حمزة هو عامود أساسي في منزله و"الذراع اليمين" لوالده؛ تذوب تلك المطالب لما هو أهم بالنسبة للشاب والعائلة.

غردت بثينة معزية نفسها وأهلها على صفحتها الشخصية: "قبل أسبوع حكيت معه.. بحكيلي عمتي بثينة خديني عندك في تركيا؛ حكتله والله ياعمتو ياريت، خليك عند أمك وأبوك وسيدك بحتاجك كثير".

 أمنية حمزة للخروج أو الهجرة من غزة، هو اثبات لظاهرة الهجرة القسرية لجيل غزة الصاعد ، بعد ما تيقنوا بانعدام الأفق نتيجة الضياع السياسي والاقتصادي والبيئي. والجدير بالذكر هنا أن عددا من التقارير الصحافية تحدثت بإحصائيات عن عدد الشبان الذين سافروا أو هاجروا من غزة ولكن لتضارب الأرقام يكفي القول إن العام الأخير شهد نسبة هجرة عالية جدا خلافا للسنوات السابقة.

قد يبدو حمزة محظوظا في جنازته فمراسيمها كانت اعتيادية ومعروفة لسكان قطاع غزة، لكن الشهيد الطفل حسن شلبي الذي له من الأشقاء سبعة وثامنهم في الطريق ووالد متعطل عن العمل، شهدت جنازته سلوكا جديدا على غزة، أثار حفيظة  الفلسطينيين على مواقع التواصل الإجتماعي، سنذكره لاحقا.

وقبل التطرق لهذا الأمر، نسلك مسار قصة حمزة، ونعود في الزمن قليلا؛ فقبل أيام من استشهاد حسن انتشر للفتى مقطع مصور وهو يقابل في إحدى المؤسسات الاجتماعية مطالبا بتوفير عمل له ليعيل عائلته الكبيرة.

والد الشهيد من مخيم النصيرات يتلقى مخصصا ماليا من الشؤون الاجتماعية، وقد قطعه رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مما ألحق به وبأسرته معاناة كبيرة في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة في غزة، وهو ما دفع الطفل إلى أن يبحث عن عمل لمساعدة والده وأسرته كما ظهر متحدثا في الفيديو.

لم يكن ذلك المقطع الإنساني هو ما آثار حفيظة أهالي غزة، بل هو السلوك الجديد في لحظة التشييع لجثمانه، حين جرى اصطحابه إلى مدرسته ليطوف جثمانه بين الفصول.

ملخص ما قاله المتذمرين من هذا السلوك، ارتكز إلى أن هذه (الفعلة) لم تكن رسالة إنسانية إنما صدمة للأطفال وزملائه ستبقى كابوسا يلاحقهم، وتكفي تفاصيل وجوه الأطفال لتخبر بذلك.

النقطة الثانية من المتذمرين ، كانت حول حرف قضية الشهيد عن المسار الذي كان يجب التوجه به للعالم الخارجي.

ويبدو أن منشور الفيسبوك للصحفي حسام سالم يختزل الحكاية بثلاث نقاط فقال: "حسن قتل ثلاث مرات خلال يوم ؛ الأولى حين اعدم بدم بارد  والثانية عندما نشرت  تلك الفتاة مقابلتها معه وهو يجلس في مكتبها يبحث عن عمل بسبب الوضع المعيشي الصعب؛ وقتل في المرة الأخيرة عندما تم إحضار جثته إلى صفه الدراسي لكي يودعه زملاءه".

 الشاعر الإسباني لوركا  قال ذات مرة: "إن إحصائيـات الحرب مخطئة تمامًا ؛ فكل رصاصة تقتل اثنين"، لكن في قصة حسن "لم يكن القتلى معه أخوته السبعة فقط، بل قُتلنا معهم حين جرى إحضار جثمانه للمدرسة، فهذه تجارة "علنية" بأرواح الشهداء". هكذا يصفها جار الشهيد الذي يدعى محمد عويضة وهو مهندس زراعي.