في سياق ما، يمكن القول إن غدا الأربعاء أكبر من ذكرى يوم الأرض.  غدا كـشعرة معاوية الذي قد ينقل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل إلى حرب شاملة في حال تهور أحد الطرفين في الميدان.

 وعلى قاعدة أن لا أحد يضمن الميدان نترك الكلمة للغد ؛ وعلى ذلك سيركز معد التقرير على الإيمان الواضح والدوافع للمشاركين بشكل مستمر في "العودة" رغم وحشية الاحتلال الإسرائيلي في التعامل معهم؛ 

العجوز الفولاذي

منذ أول جمعة في مارس من العام الماضي أي موعد انطلاقة مسيرة "العودة" لم يتغيب العجوز عطية يونس "67 عاما" عن المشاركة في كل جمعة شرقي رفح جنوب قطاع غزة ولو لمرة واحدة.

رغم أن يونس مصاب بأمراض مزمنة كالضغط والسكر، إلا أنه مُصرا على الذهاب والمشاركة بشكل سلمي، يقول:" أنا من بلدة بربرة المحتلة؛ وما زلت على يقين أنني سأعود إلى بلدتي الذي طرد منها والدي قبل عشرات السنوات".

ويرى العجوز الذي لديه 7 أبناء و23 حفيدا أنه حتى لو فارقته الحياة ولم يذق طعم العودة، إلا أنه رسخ في أذهان أبناءه وأحفاده فكرة العودة وأنه حق فلسطيني ثابت لا يمكن التراجع عنه.

 وللحقيقة، تغيب العجوز مرة واحدة عن مسيرات العودة، حين استنشق غاز الأعصاب الذي يطلقه الجنود المختبئين خلف الكثبان الرملية عند السياج الفاصل بين غزة والأراضي المحتلة، بعد تلك الحادثة مكث العجوز مدة أسبوع طريح الفراش وكانت تصيبه تشنجات عضلية بفعل الغاز، وحين جاءت الجمعة الأخرى هم للذهاب لكن أبناءه منعوه من ذلك؛ ولم يكن منع الأبناء هو من أوقف العجوز بل صحته الجسدية التي لم تسمح لذلك.

ويحدث العجوز معدة التقرير عن أصعب اللحظات التي عاشها خلال مشاركته في "العودة"؛ يكمل:" في أحد أيام المشاركة أعتقد انها كانت في شهر يوليو؛ أخذت جميع أحفادي معي منذ الصباح؛ جلسنا في الخيمة التي تبعد عنا قرابة 500 مترا من السياج؛ كنت أغني معهم الأغاني الوطنية ونلعب لعبة أسماء القرى والمدن الفلسطينية؛ وحين دخلت الساعة الثانية ظهرا اختفت تلك الحلقة العائلية، حين رمى الجنود مئات القنابل اتجاه الخيام، وبدأ أحفادي بالصراخ والركض هنا وهناك".

خرج العجوز من الخيمة، يبحث عن الأطفال الذي كان أكبرهم يبلغ من العمر "15 عاما" وأصغرهم "6 أعوام"، فلم يجد إلا أربعة أطفال.

يزيد العجوز:" وقتها شعرت بالعجز؛ الكل يهرب من عاصفة الدخان والجميع كان في حالة فوضى، وانا لا أعرف ماذا أفعل سوى الصراخ على أسماء أحفادي، شعرت أنني سأفقد أحدهم".

بعد نصف ساعة تقريبا؛ وحين تأكد العجوز أن عاصفة الدخان قد رحلت، عاد إلى بوابة الخيمة ينتظر أحفاده وبالفعل بدأ أحفاده يعودون واحدا واحدا منهم من كان يبكي وآخر يتألم من أوجاع في صدره؛ أوقفهم العجوز واحدا وحدا وبدأ بالاطمئنان عليهم.

يكمل:" أعرف أن هذا تهور مني في ذلك؛ لكن في الحقيقة لم نفعل شيئا سوى أننا جلسنا في خيمة تحمل اسم بلدتنا المحتلة".

من وجهة نظر التقييمية للعجوز يرى أن مسيرة العودة عمل سلمي ناجح، ودليل ذلك هو استمرارها، ولكن يرى أن استمرارها مهدد لطالما أن غزة هي وحدة من تمارس أعمال "العودة" لذلك يطالب على الأقل أن تمارس الضفة المحتلة نفس الأعمال وفي أسرع وقت؛ يقول:" في الحقيقة إن بقيت غزة وحدها في مسيرة العودة لن تصمد كثيرا، يجب أن تكون هناك نهضة إلى هذا الأمر من أهالي الضفة المحتلة ومخيمات الشتات في لبنان والأردن".

المهندس الثائر

تحاول (إسرائيل) تحريف هذا المسار السلمي، بالقول إن الشبان الذين يتظاهرون على السياج الفاصل هم شبان من الفئة الفقيرة متعطلون عن العمل ليسوا أصحاب شهادات وقد وجدوا أن الذهاب إلى السياج والمشاركة في مسيرات العودة فرصة مناسبة للقضاء على حياتهم والتخلص من هذه الظروف القاسية.

من ذات مدينة الرفح؛ تبدو قصة المهندس مصطفى الزطمة "28 عاما" الذي يعمل مهندسا معماريا في شركة خاصة هي الرد المناسب على تلك المزاعم.

الزطمة من مدينة عسقلان المحتلة رغم أنه منشغل دوما في عمله إلا أنه شارك في أغلب أعمال مسيرات العودة، يقول:" أنا أحب الحياة كثيرا وأسعى أن أعمل في شركات هندسية عالمية ولكن كل ذلك لن يمنعني من المشاركة مع أبناء شعبي بالمطالبة بحقوقهم".

ولم يكتف الزطمة في المشاركة بالهتافات ورفع الأعلام بل طور العمل السلمي حين جهز مع أصدقاءه "أطول سلسلة بشرية للقراءة" وقد شارك في الفعالية عشرات الشبان والشابات في سلسلة القراءة بمخيمي العودة برفح وغزة وقد كانت هذه الفعالية في الجمعة السادسة من مسيرات العودة.

يكمل المهندس الشاب:" كانت هذه الفعالية رسالة للعالم أن الشعب الفلسطيني لم يخرج عبثا وإنما من يخرج هو جيل واعي مثقف مدرك لما تفعله إسرائيل من انتهاكات بحق الفلسطينيين على الأصعد كافة".

ورغم تلك الفعالية التي أقيمت على بعد 700 مترا من السياج حين شكل الشبان حلقات قراءة هناك إلا أن ذلك لم يمنع الجنود من إغراقهم بقنابل الغاز لتشتيهم ووقف أعمالهم السلمية البحتة.

ما زال الشاب يطالب باستمرار مسيرة العودة إلى حين نيل الحقوق فهذا الطريق الأنسب في هذا الوقت، لكن يطالب القائمون على مراجعة أجندة أعمالهم وتحديدا عدم مشاركة الأطفال بشكل فوري، يقول:" صحيح أن قتل الأطفال على يد القناصة الإسرائيليين يثير غضب المشاهدين ضد الاحتلال لكن لا يخلو من تحميلنا مسؤولية اصطحابهم؛ فاصطحاب الأطفال لأماكن خطرة عمل غير مقبول أبدا تحت أي حجة".

وقد وصل عدد القتلى من الأطفال إلى" 50" وكان آخرهم الطفل سيف أبو زيد "15 عاما" فيما أصيب 3025 طفلا بحسب وزارة الصحة.

كما وطالب أيضا المهندس عدم مشاركة المرأة في مسيرات العودة حرصا عليها، يقول:" التحرك شرق الحدود صعبة جدا على الرجال، فما بالنا بالنساء، كذلك الاحتلال الإسرائيلي لا يفرق بين رجل أو أمرأه، أعتقد ان المكان المناسب للمرأة في هذه الفعاليات الجلوس بين أطفالها ومحاولة توعيتهم بالحقوق الفلسطينية، وبذلك على أقل التقدير يخرج الطفل من منزله يفهم ما هو مطلبه كفلسطيني في هذه الحياة".

وقد قتل خلال عام "العودة" سيدتان فلسطينيات وقد أصيب 1008 سيدة، بحسب أشرف القدرة المتحدث باسم الصحة.

طفل ومرأة

من مدينة خانيونس الملاصقة لمدينة رفح، حين سمع الطفل إياد بربخ "12 عاما" بمطالبة المهندس بمنع الأطفال من المشاركة في مسيرات العودة رفض الطفل هذا الأمر قائلا:" حتى لو جرى منعي، سأشارك بطريقتي؛ فأنا أخرج للمطالبة بحقوقي كأي طفل في العالم".

الطفل بربخ هو واحد من عائلة كبيرة فقيرة مكونة من 13 فردا، ووالده خمس "51 عاما" متعطل عن العمل وقد أصيب الطفل برصاصة اخترقت يده وقدمه في نفس اللحظة في تاريخ 22-2، إلا أن ذلك لم يمنعه من المشاركة في الجمعة الـ 50 من "العودة".

وهذه ليست أول مرة يصاب فيها الطفل من بلدة يبنا المحتلة، فقبل ثلاثة شهور أصيب بقنبلة غاز بظهره أحرقت ملابسه وجلده.

وعن أصعب المواقف الذي مر بها الطفل الذي يحب السباحة كثيرا، وكان ذلك في حين سقط  صديقه الطفل جمال عبد الرحمن عفانة (15عامًا)، غارقا بالدماء نتيجة اصابته برصاصة مباشرة برأسه الصغير وقد استشهد متأثرا بجراحه في اليوم التالي.

يقول الطفل عن هذا:" أخذ مني جمال الراية التي كنت احملها وفجأة سقط على الأرض ودماءه تناثرت على قميصي ووجهي".

أما السيدة مالينا الهندي "38 عاما" والتي أصيبت خمسة مرات طوال مشاركتها في مسيرات العودة شرق مدينة خانيونس من بينها إصابتين بالرصاص الحي وثلاثة بقنابل الغاز، وكانت آخر اصابتها في الجمعة الـ 50 التي حملت اسم " جمعة يوم المرأة العالمي" ترفض أيضا دعوة المهندس الزطمة لعدم مشاركة المرأة والأطفال في مسيرات العودة.

تقول مالينا التي تشارك مع زوجها وأطفالها الخمسة في كل جمعة بشكل سلمي:" أعتقد من الخطأ اغفال أي أحد في قطاع غزة عن أعمال مسيرات العودة، أخرج مع عائلتي لتأكيد على مطالبنا، فالمرأة الفلسطينية منذ عشرات السنوات وهي تقاتل جنب الرجال كتفا لكتف".

الصحافة والمسعفين

 تدلل الاحصائيات بما وقع على الصحافيين وطواقم الطبية خلال مشاركتهم في مسيرة العودة إن استهدافهم لم يكن عشوائيا أو بمحض الصدفة فإجمالي استهداف الصحافيين خلال عام على "مسيرة العودة" وصل إلى 246 إصابة مختلفة وشهيدين هما الزميلين ياسر مرتجى وأحمد أبو حسين.

أما آخر إحصائية إجمالية أصدرتها وزارة الصحة بخصوص استهداف الطواقم الطبية شرق حدود القطاع، كانت ثلاثة شهداء وإصابة 653 مسعفا، فيما تضرر بشكل جزئي 110 سيارة اسعاف.

الزميل محمد دحلان "33 عاما" مصور وكالة الاناضول التركية، يصفه الزملاء بالمغامر فهو دوما يغطي الأحداث في مسافة 100 من السياج الفاصل.

يقول دحلان المقيم في غزة:" اقترابي من خط النار والدخول بين الشبان السلميين، هي لتوثيق الجرائم الإسرائيلية بحق هؤلاء المشاركين".

مؤخرا منعت الوكالة التي يعمل بها دحلان من إرفاق اسمه على المقاطع التي تم تصويرها خوفا من استهدافه بشكل مباشر:" مؤخرا وقعت على مستند عمل، ملخصه عدم إرفاق اسمي في المقاطع التي أرسلها للوكالة حفاظا على سلامتي؛ لذلك دوما أغطي وجهي حتى لا يتم التعرف علي من الجنود الإسرائيليين".

أكثر المواقف التي لن تمحو من ذاكرة المصور دحلان هو لحظة توثيقه للساعة الأولى من مذبحة يوم الإثنين 14-5-2018؛ يقول:" حين دخلت الساعة الثانية خلال عملي في منطقة ملكة شرق مدينة غزة، بدأ كل من حولي يسقط إما إصابة في القدم او في اليد أو رصاصة مباشرة في رأس، ضغطت مفتاح تشغيل الكاميرا وبدأت ازحف بين الجموع لأوثق ما أستطيع".

 ما دفع دحلان لأن يوثق الجرائم الإسرائيلية عن قرب حين قال:" إسرائيل تحمي نفسها إعلاميا بشكل جيد معتمدة على صور حمقاء تخرج من غزة كما أنها بلا شك متحكمة في أمهات الوكالات.

أما المسعف الميداني علاء العجرمي "34 عاما" من مخيم جباليا شمال قطاع غزة، الذي لم يتغيب ولو لمرة واحده عن عمله في مناطق الحدود، لكن رغم إصراره على العمل الإنساني قبل كل شيء إلا أنه كشف عن مشاعر -يرى أنها خاصة-في كل مرة يذهب للميدان يُصاب بتوتر دائم خلال عمله الذي يقارب لثمان ساعات.

يأتي خوف العجرمي ليس الموت وعدم مشاهدته لأطفاله الأربعة كما يقول لكن السبب الحقيقي من توتره الدائم:" في السابق لم أكن أخشى شيء في عملي ودوما أحب ان أكون أول المتقدمين للأماكن الخطيرة، ولكن خوفي من الإصابة بإعاقة هو من يجعلني دوما في دائرة التوتر".

وبحسب وزارة الصحة فمجمل حالات البتر وصلت إلى 114 إصابة منها 25 طفلا، وموزعة على النحو التالي 100اطراف سفلية واصابتين في أطراف علوية و12 في أصابع اليد.

اكثر المواقف التي لا يمكن أن تمحو من ذاكرة المسعف المتوتر، حين لم يستطع إنقاذ زميله المسعف موسى أبو حسنين الذي قتل في مذبحة يوم الإثنين، إذ بقى أبو حسنين ينزف لمدة ربع ساعة ولم تستطع الطواقم الطبية ومن بينهم العجرمي من الاقتراب لكثافة النيران الإسرائيلية التي كانت حوله في ذلك الوقت.

يختم العجرمي حديثه:" كل من يذهب إلى الحدود الشرقية هو مستهدف ونحن نفهم ذلك جيدا ولكن هذا لن يمنعنا من مواصلة عملنا الإنساني والوطني".